العلم وراء الظواهر الخارقة
"علم الأشياء الغريبة" لكريس فرينش (2024)
مراقبة "الأشياء الغريبة"
في الكتاب الثوري "The Science of Weird Shit: Why Our Minds Conjure the Paranormal" (2024)، يقدم عالم النفس البريطاني البارز كريس فرينش، رئيس وحدة أبحاث علم النفس الشاذ في جامعة جولدسميثز بلندن، رحلةً فكريةً عميقةً في عالم الظواهر الخارقة.
لا يهدف المؤلف إلى السخرية من المعتقدات أو التجارب الشخصية، بل إلى فهم الأسس النفسية والعصبية التي تجعلنا ندرك الأشباح، نعتقد بالاختطاف الفضائي، أو نختبر شعورًا بالخروج من الجسد عند الموت الوشيك.
يجادل فرينش بأن هذه الظواهر ليست تافهة، بل تمثل نافذةً فريدةً لفهم العقل البشري بكل تعقيداته
"إدراكنا للواقع ليس انعكاسًا دقيقًا للحقيقة، بل بناءً عقليًّا قابلًا للاختراق." - كريس فرينش
علم النفس الشاذ (Anomalistic Psychology)
يؤسس فرينش تحليله على تخصص يُعرف بـ "علم النفس الشاذ"، وهو مجال علمي يدرس التجارب والظواهر التي تبدو خارقة للطبيعة، لكنه يبحث عن تفسيراتها في:
العمليات النفسية: الانحيازات المعرفية، الذاكرة الخادعة.
العوامل الفسيولوجية: تأثيرات الدماغ أثناء النوم أو الإجهاد.
السياقات الثقافية: دور الأساطير والإعلام في تشكيل التوقعات.
على عكس "علم ما وراء النفس" (Parapsychology) الذي يسعى لإثبات وجود قوى خارقة، يركز علم النفس الشاذ على تفسيرها عبر آليات طبيعية. فرينش يرى أن هذا المجال أصبح أكثر "احترامًا أكاديميًّا" بفضل الأبحاث المنشورة في مجلات علمية رصينة .
الظواهر الأساسية وآلياتها النفسية
1. لقاءات الأشباح والكائنات غير المرئية
يشرح فرينش أن تجارب الأشباح غالبًا ما ترتبط بحالتين:
شلل النوم (Sleep Paralysis): حالة تحدث أثناء الاستيقاظ أو النوم، يفقد فيها الشخص قدرة الحركة مؤقتًا مع هلوسات بصرية أو سمعية (كائنات مرعبة، شعور بالاختناق). 40% من البشر يمرون بهذه التجربة مرةً على الأقل في حياتهم .
تأثير الإيحاء (Suggestibility): في الأماكن "المسكونة"، توقع رؤية شبح يزيد احتمالية تفسير أي حافز غامض (صوت، ظل) على أنه خارق.
تفسيرات علمية لظواهر الأشباح
| نوع التجربة | التفسير العلمي | درجة الانتشار |
|---|---|---|
| رؤية كائن في الغرفة | هلوسات ناتجة عن شلل النوم | ~40% من البشر |
| سماع أصوات غامضة | ظواهر صوتية طبيعية (تمدد الخشب، تيارات هواء) | غير محدد |
| شعور بوجود "كيان شرير" | تنشيط اللوزة الدماغية أثناء الخوف في الظلام | شائع في الثقافات |
2. الاختطاف الفضائي وتشويه الذاكرة
يحلل فرينش قصص الاختطاف عبر نموذج نفسي من مرحلتين:
التجربة الأساسية: غالبًا ما تكون نوبة شلل نوم مصحوبة بهلوسة عن كائنات غريبة.
تضخيم الرواية: تحت تأثير العلاج بالتنويم المغناطيسي أو ضغط وسائل الإعلام، تتحول الذاكرة إلى سردية مفصلة (مثل "المختطفون طلبوا عينات جينية").
يكشف أن الذاكرة البشرية قابلة للتشكيل بسهولة، حيث أظهرت تجارب أن نصف المشاركين يمكنهم "تذكر" أحداث لم تحدث أبدًا (مثل مشاهدتهم لفيلم تحطم طائرة في أمستردام - وهو فيلم غير موجود) .
3. تجارب الاقتراب من الموت (Near-Death Experiences - NDEs)
يقدم الكتاب تحليلًا دقيقًا لظاهرة الخروج من الجسد ورؤية "النفق والضوء"، موضحًا أنها:
تحدث أيضًا في حالات غير مميتة (مثل الإغماء أو نوبات الصرع).
يمكن محاكاتها صناعيًّا عبر تحفيز الفص الصدغي أو تعريض الطيارين لقوى جي عالية (G-forces) تسبب نقص الأكسجين في الدماغ.
لا تثبت الحياة بعد الموت، بل تعكس نشاطًا دماغيًّا في ظروف قصوى.
بين التفسير "الروحي" والتفسير العلمي لـ NDEs
| **العنصر" | التفسير الروحي التقليدي | التفسير العلمي (فرينش) |
|---|---|---|
| رؤية الجسد من الأعلى | انفصال الروح عن الجسد | هلوسة ناتجة عن خلل في التكامل الحسي |
| النفق والضوء | بوابة إلى الآخرة | نقص تروية القشرة البصرية (الرؤية الأنبوبية) |
| لقاء الأقارب المتوفين | دليل على الحياة الأخرى | تنشيط ذاكرة المشاعر العميقة تحت الإجهاد |
| المشاعر السلمية | اتصال بالكون الإلهي | إفراز الإندورفين عند التهديد بالوفاة |
4. دحض "الباراسايكولوجي"
يخصص فرينش فصولًا لدحض ادعاءات التخاطر (ESP) عبر:
تحليل إحصائي: معظم النتائج الإيجابية تعكس "انحياز النشر" (عدم نشر التجارب الفاشلة).
تأثير "المشعوذ الصادق": كثير من الوسطاء يصدقون أنهم يملكون قدرات حقيقية، لكنهم يمارسون دون وعي تقنيات مثل:
القراءة الباردة (Cold Reading): استخدام عبارات غامضة تنطبق على الجميع ("أشعر بألم في ظهرك").
القراءة الساخنة (Hot Reading): جمع معلومات سرية عن الضحية مسبقًا.
5. الصدف "المستحيلة" وقوانين الاحتمال
يشرح الكتاب أن الاحتمال الإحصائي غالبًا ما يُساء فهمه:
في مجموعة من 23 شخصًا، احتمال تشابه عيد ميلاد أي اثنين يتجاوز 50% ("مفارقة عيد الميلاد").
عند وجود مليارات الأحداث اليومية، فإن "الصدف المذهلة" (مثل تزامن أفكار صديقين) تصبح حتمية رياضيًّا، لا دليلًا على التواصل الخارق.
لماذا نؤمن بالغريب؟
يكشف فرينش أن الإيمان بالظواهر الخارقة يتغذى على ستة انحيازات معرفية رئيسية:
الانحيازات المعرفية لتصديق "الخارق"
| الانحياز المعرفي | التعريف | مثال من الحياة |
|---|---|---|
| انحياز التأكيد (Confirmation Bias) | تذكر الأدلة المؤيدة فقط | تذكر التنبؤات الصادقة للعرّاف وتجاهل الفاشلة |
| انحياز الإدراك المتوقع (Pareidolia) | رؤية أنماط في محفزات عشوائية | رؤية وجه في سحابة، أو سماع كلمات في ضجيج |
| الوهم السببي (Illusory Causation) | ربط حدثين غير مرتبطين سببيًّا | "صليت فشُفيت" (رغم تحسن الحالة تلقائيًّا) |
| تأثير الإيحاء (Suggestibility) | تأثر الذاكرة بالأسئلة التوجيهية | "وصف" أشباح في بيت مسكون بعد سماع القصة |
| انحياز الإتاحة (Availability Heuristic) | تقدير احتمالات الأحداث بناءً على سهولة تذكرها | الخوف من تحطم طائرة بعد مشاهدة خبر حديث |
| التفكير الرغبوي (Wishful Thinking) | تصديق ما نرغب في صحته | الإيمان بالحياة بعد الموت لتهدئة رهاب الفناء |
الإنجازات والقيود
نقاط القوة:
الموازنة بين التشكيك والتعاطف: فرينش لا يسخر من المؤمنين، بل يوضح أن تجاربهم "حقيقية" في إدراكهم، حتى لو كانت ناتجة عن عمليات طبيعية .
الاستناد إلى بيانات تجريبية: مثل تجارب زرع الذكريات الكاذبة في المختبر.
تطبيقات اجتماعية أوسع: يشجع على تطبيق التفكير النقدي في مجالات مثل:
نظرية المؤامرة.
الدعاية السياسية.
الادعاءات الطبية الزائفة.
نقاط الضعف:
قصور في معالجة البعد الثقافي: الكتاب يركز على الغرب، رغم أن أشكال "الخوارق" تختلف ثقافيًّا (مثل "ابتلاع الجن" في أفريقيا).
إهمال الجدل الفلسفي: لا يناقش إشكالية "الوعي" التي قد تتحدى بعض التفسيرات المادية.
جفاف أكاديمي أحيانًا: بعض الفصول تعتمد كثيرًا على الإحصاءات على حساب السرد القصصي، رغم عنوانه الجريء .
لماذا "الأشياء الغريبة" ؟
يختتم فرينش بحجة قوية: دراسة الظواهر الخارقة ليست ترفًا فكريًّا، بل ضرورة في عصر المعلومات:
مكافحة التضليل: فهم آليات الانحياز يساعد في مقاومة الشائعات.
تعزيز الصحة النفسية: تفسير تجارب مثل شلل النوم يقلل الخوف المرضي.
حماية الضعفاء: كشف احتيال الوسطاء الذين يستغلون الثكالى.
تذكير بتواضع المعرفة: العلم لا يدعي امتلاك كل الأجوبة، لكنه أفضل أداتنا.
"الخوارق تجذبنا لأنها تتحدى حدود المألوف، لكن العلم الحقيقي لا يقل إثارةً عندما يكشف أن الحقيقة أغرب من الخيال." - كريس فرينش
الكتاب ليس مجرد دحض للخرافات؛ إنه احتفاءٌ بقدرة العقل البشري على خلق عوالم موازية، وبنفس الوقت، قدرته على تفكيكها عبر نور العقلانية. في هذا التوازن بين الشك والتعاطف، بين الفضول والنقد، يكمن أعظم إنجاز لهذا العمل المؤثر.
معلومات النشر
| معلومة | التفاصيل |
|---|---|
| المؤلف | كريس فرينش (Chris French) |
| الناشر | MIT Press |
| تاريخ النشر | 19 مارس 2024 |
| عدد الصفحات | 416 صفحة |
| الرقم الدولي (ISBN) | 978-0262048361 |
| التقييم على Goodreads | (3.8/5 من 150+ تقييمًا) |

0 تعليقات