"اقتصاد الفقراء: إعادة نظر جذرية في طريقة محاربة الفقر العالمي"
في كتابهما الثوري "اقتصاد الفقراء: إعادة نظر جذرية في طريقة محاربة الفقر العالمي
" (Poor Economics: A Radical Rethinking of the Way to Fight Global Poverty)، يحطم عالما الاقتصاد الحائزان على جائزة نوبل أبهيجيت بانيرجي وإستر دوفلو العديد من الأفكار المسبقة والنظريات الكبرى التي طالما حكمت سياسات مكافحة الفقر.
يعرض الكتاب، الصادر عام 2011، ثمرة أكثر من 15 عامًا من البحث الميداني في عشرات البلدان الفقيرة، مستندًا إلى مئات التجارب العشوائية المحكمة (Randomized Controlled Trials - RCTs) التي أجراها المؤلفان عبر مختبر عبد اللطيف جميل لمكافحة الفقر (J-PAL).
يدعو بانيرجي ودوفلو القارئ إلى التخلي عن النظرة النمطية التي تحوّل الفقراء إلى "شخصيات كرتونية" وإلى فهم حياتهم بكل تعقيداتها وثرائها. يجادل المؤلفان بأن الفقر ليس نتاجًا للكسل أو الجهل
بل هو نتيجة تراكم عقبات صغيرة ومتكررة في بيئة تفتقر إلى المعلومات والخدمات الأساسية والمؤسسات الموثوقة، مما يجعل اتخاذ القرارات "العقلانية" اليومية أمرًا بالغ الصعوبة. بدلاً من السجال الأيديولوجي بين مؤيدي المعونات الكبيرة (مثل جيفري ساكس) ومعارضيها (مثل ويليام إيسترلي)، يقترح الكتاب منهجًا عمليًا قائمًا على الأدلة، يركز على الإجابة عن أسئلة صغيرة ومحددة يمكن اختبارها، مما يؤدي إلى تحسينات ملموسة وإن كانت تدريجية، في حياة الملايين.
من الأسئلة الكبرى إلى التجارب الصغيرة
يتمحور الابتكار الأساسي للكتاب حول منهجيته. يرفض المؤلفان النقاشات المجردة حول "هل المعونة مفيدة أم ضارة؟" أو "ما هو دور السوق الحر؟" لأنها أسئلة كبيرة جدًا ولا تقود إلى إجابات عملية. بدلاً من ذلك، يدعوان إلى تفكيك هذه الأسئلة إلى أخرى أدق يمكن قياسها وتجربتها.
على سبيل المثال، بدلاً من التساؤل عن "كيف نحسّن الصحة؟"، يسألون: "ما تأثير توزيع الناموسيات المجانية مقابل بيعها بسعر رمزي على معدلات الإصابة بالملاريا؟".
تأتي الإجابات من خلال التجارب العشوائية المحكمة (RCTs)، وهي نفس المنهج المستخدم في اختبار الأدوية. يتم اختيار مجموعتين متشابهتين بشكل عشوائي، حيث تحصل إحداهما على "تدخل" معين (مثل قسائم لشراء الطعام، أو حوافز نقدية للتلقيح)، بينما لا تحصل الأخرى (المجموعة الضابطة).
ثم تتم مقارنة النتائج بين المجموعتين لمعرفة أثر التدخل بدقة. من خلال هذه الطريقة، تمكّن المؤلفان من اختبار فعالية السياسات في مجالات مثل التعليم والصحة والتمويل متناهي الصغر، والادخار، مستندين إلى بيانات من 18 دولة. وقد أدى نجاح هذا المنهج إلى فوز المؤلفين بجائزة نوبل في العلوم الاقتصادية عام 2019.
رحلة عبر الاحتياجات الأساسية
يستعرض الكتاب بالتفصيل كيفية اتخاذ الفقراء لقراراتهم في المجالات الحاسمة، ويكشف عن مفارقات ونتائج غالبًا ما تكون غير متوقعة.
1. الغذاء والتغذية: ليس مجرد نقص في السعرات
يتحدى الكتاب الافتراض الشائع بأن الفقراء يعانون الجوع بسبب عدم قدرتهم على شراء ما يكفي من الطعام. تشير الأدلة إلى أن معظم الفقراء، حتى بأدنى الدخول، يمكنهم توفير سعرات حرارية كافية (غالبًا عبر الأرز أو الذرة). المشكلة الحقيقية هي سوء التغذية الناتج عن نقص المغذيات الدقيقة (مثل الحديد واليود وفيتامين أ). ويرجع ذلك إلى ثلاثة أسباب رئيسية:
نقص المعرفة: يفتقر الكثيرون إلى الوعي بأهمية التنوع الغذائي والمغذيات الدقيقة.
الأولوية للمذاق والمتعة: مثل أي شخص آخر، يفضل الفقراء الطعام اللذيذ (كالأطعمة الحلوة أو الغنية بالدهون) على الطعام المغذي الأقل شهية. كما أنهم ينفقون على "الكماليات الصغيرة" مثل الشاي والسكر أو حتى التلفزيون والهاتف المحمول، لأن هذه الأشياء تضفي بعض البهجة على حياة صعبة ورتيبة.
2. الصحة: الفجوة بين المعرفة والسلوك
هناك العديد من الأدوات الصحية الفعالة ومنخفضة التكلفة (مثل اللقاحات، والناموسيات، ومحاليل معالجة الجفاف)، لكن استخدامها من قبل الفقراء محدود. يشرح الكتاب أسباب هذه الفجوة:
غياب مقدمي الخدمة الموثوقين: غالبًا ما تكون العيادات الحكومية فارغة من العاملين المدربين، مما يدفع الفقراء إلى اللجوء لممارسين غير مدربين قد يسببون ضررًا أكبر.
الحساسية الشديدة للسعر: حتى الرسوم الرمزية البسيطة على الأدوية أو اللقاحات يمكن أن تثني الأسر عن استخدامها، رغم أن التكلفة الإجمالية للمرض أعلى بكثير.
المنظور الزمني والمماطلة: تميل الفوائد الصحية (كالوقاية من مرض) إلى أن تكون بعيدة المدى، بينما تكاليف الحصول على الخدمة (مثل الوقت والجهد والتكلفة المباشرة) تكون فورية. وجدت التجارب أن الحوافز الصغيرة الفورية (ككيس من العدس أو كمية صغيرة من النقد) يمكن أن تزيد معدلات التلقيح بشكل هائل، لأنها تعمل كـ "دفعة" للتغلب على هذه المماطلة.
التفضيل الخاطئ: بسبب نقص المعلومات، قد يفضل الفقراء علاجات "قوية" ومكلفة (مثل الحقن بالمضادات الحيوية) على علاجات بسيطة وفعالة (كأملاح معالجة الجفاف).
3. التعليم: المعتقدات الخاطئة وقوة الحوافز
يواجه نظام التعليم في المجتمعات الفقيرة أزمات متعددة، منها تغيّب المعلمين وانخفاض جودة التعليم. لكن الكتاب يركز على اختيارات الأسر نفسها:
وهم الشهادة النهائية: تعتقد العديد من الأسر أن قيمة التعليم تكمن فقط في الحصول على شهادة نهائية (كإنهاء المرحلة الثانوية). لذلك، قد تركز كل مواردها على تعليم طفل واحد (غالبًا الابن) على أمل أن "ينجح"، على حساب تعليم بقية الأطفال. تظهر الأدلة أن قيمة التعليم تراكمية، فكل عام دراسي إضافي يحقق عائدًا.
التكاليف الخفية: حتى عندما يكون التعليم مجانيًا، تبقى تكاليف باهظة مثل الزي المدرسي والكتب ورسوم الامتحانات، ناهيك عن تكلفة الفرصة البديلة المتمثلة في دخل الطفل لو كان يعمل.
فعالية التحويلات النقدية: أثبتت التجارب أن التحويلات النقدية المشروطة (حيث تحصل الأسرة على مال إذا أرسلت أطفالها إلى المدرسة) تزيد الالتحاق بشكل كبير. المثير أن بعض الأدلة تشير إلى أن المال نفسه هو المحفز الرئيسي، وليس الشرط، لأنه يساعد الأسر على تغطية التكاليف الخفية للتعليم.
4. التمويل والادخار: تعقيد الإدارة المالية تحت الضغط
يدير الفقراء شؤونهم المالية في ظل ظروف بالغة التعقيد وعدم اليقين:
الادخار صعب: إنعدام أماكن التخزين الآمنة للمال، وصعوبة مقاومة إغراءات الإنفاق الاجتماعية أو الشخصية. وجدت تجارب أن بعض الحلول البسيطة مثل "صناديق الادخار المقفلة" (بدون مفتاح) لم تنجح، بينما نجحت أشكال الادخار الجماعي التقليدية أو الحسابات المصرفية المصممة خصيصًا.
قروض متناهية الصغر: ليست الحل السحري: بينما تساعد القروض المتناهية الصغر في إدارة التدفق النقدي وتمويل مشاريع صغيرة، فإنها نادرًا ما تؤدي إلى "قفزة" خارجة من الفقر. معظم الأعمال التي يديرها الفقراء هي أعمال صغيرة للبقاء (كدكاكين صغيرة)، وليست مشاريع طموحة للنمو. يفضل كثير من الفقراء الحصول على وظيفة بأجر ثابت بدلاً من ريادة الأعمال.
غياب التأمين: يعاني الفقراء من صدمات مالية متكررة (مرض، خسارة محصول، وفاة ماشية). ومع ذلك، فإن أسواق التأمين الرسمية غالبًا ما تكون غائبة أو غير موثوقة بالنسبة لهم، مما يجبرهم على الاعتماد على استراتيجيات دفاعية مكلفة مثل تنويع المحاصيل أو الاقتراض الطارئ بفائدة عالية.
5. تنظيم الأسرة: بين الحساب الاقتصادي والمعايير الاجتماعية
لا يُفسر ارتفاع معدلات الإنجاب في بعض المجتمعات الفقيرة بالجهل فقط. هناك أسباب اقتصادية، مثل الرغبة في ضمان وجود أبناء يدعمون الوالدين في الكبر.
لكن التجارب تظهر أن تمكين المرأة هو المفتاح: عندما تُمنح النساء وسائل منع الحمل وسيطرة أكبر على خياراتهن الإنجابية، يميلن إلى إنجاب عدد أقل من الأطفال، لأنهن يتحملن العبء الأكبر لرعايتهم. كما أن السياسات التي تحسّن فرص التعليم والعمل للفتيات تؤخر سن الزواج والإنجاب تلقائيًا.
التفاصيل الصغيرة تُحدث فرقًا كبيرًا
يستخلص الكتاب عدة مبادئ أساسية لتصميم سياسات فعالة لمكافحة الفقر:
تقديم المعلومات الصحيحة في الوقت المناسب: معالجة المعتقدات الخاطئة حول التغذية، أو فوائد التلقيح، أو العائد من كل عام دراسي، يمكن أن يغير السلوك بشكل جذري.
تسهيل الأمور وتقليل العوائق: جعل الخيارات الصحيحة هي الأسهل. مثال: جعل اللقاحات مجانية ومتاحة في مكان قريب، أو تصميم نماذج بسيطة للاستفادة من البرامج الحكومية.
استخدام الحوافز الذكية: التحويلات النقدية المشروطة أو غير المشروطة، أو المكافآت العينية الصغيرة، يمكن أن تساعد في التغلب على مشكلة "المماطلة" وجعل الاستثمارات طويلة الأجل (كالتعليم والصحة) جذابة على المدى القصير.
الابتكار المؤسسي الهامشي: بدلاً من انتظار إصلاحات مؤسسية ضخمة، يمكن تحقيق تقدم عبر تحسينات صغيرة في المؤسسات القائمة. مثال: استخدام بطاقات الاقتراع الإلكترونية البسيطة في البرازيل قللت الأصوات الباطلة وزادت من تمثيل الفقراء، مما أدى لزيادة الإنفاق على الصحة. كذلك، نشر معلومات عن أداء السياسيين عبر "بطاقات التقرير" يمكن أن يحسّن المساءلة السياسية.
اختبار كل شيء: يجب أن تخضع أي فكرة لسياسة جديدة للاختبار الدقيق (عبر RCTs إن أمكن) على نطاق صغير قبل تعميمها، لمعرفة ما إذا كانت تعمل في سياق محدد.
الانتقادات والتقييم
رغم الإشادة الواسعة بالكتاب ومنهجيته، فقد واجه بعض الانتقادات:
التركيز على "التدخلات الصغيرة": يرى نقاد أن التركيز على التجارب الصغيرة قد يغفل عن الصورة الكبيرة والقوى الهيكلية المؤثرة مثل عدم المساواة، والتجارة العالمية، والتغير المناخي، والتي تتطلب حلولاً سياسية كبرى.
إهمال دور الثقافة والسياق الاجتماعي العميق: يجادل البعض بأن تفسير سلوك الفقراء يعتمد أحيانًا على افتراضات نفسية (كضعف الإرادة أو المماطلة) بدلاً من التعمق في التحليل الاجتماعي أو الأنثروبولوجي للقيم والمعايير السائدة.
قابلية تعميم النتائج: ما ينجح في قرية في الهند قد لا ينجح في مجتمع في أفريقيا بسبب اختلافات ثقافية وسياسية عميقة.
النظرة التكنوقراطية: ينتقد بعضهم النظرة التي تعتقد أن الفقر يمكن "حله" عبر تدخلات تقنية دقيقة، متجاهلة تعقيدات السياسة وتوزيع القوة في المجتمع.
فلسفة جديدة لمواجهة الفقر
يختتم بانيرجي ودوفلو كتابهما بدعوة إلى التواضع والواقعية والتفاني. لا توجد "حلول سحرية" عالمية لمشكلة الفقر. المعركة ضد الفقر يمكن ربحها، ولكنها تتطلب الصبر، والتفكير الدقيق، والاستعداد للتعلم من الأدلة. الرسالة الأساسية هي أن التغييرات الصغيرة والمصممة بعناية، والمستندة إلى فهم دقيق لكيفية عيش واتخاذ الفقراء لقراراتهم، يمكن أن يكون لها آثار هائلة ومتراكمة.
"اقتصاد الفقراء" ليس مجرد كتاب في الاقتصاد التنموي؛ إنه بيان منهجي يدعو إلى ثورة في طريقة تفكيرنا في المشكلات الاجتماعية.
إنه يحوّل الانتباه من الخطابات الأيديولوجية الكبرى إلى العمل الدؤوب القائم على الأدلة، مع التأكيد على أن الفقراء، رغم قلة الموارد، لا يقلون عقلانية أو ذكاءً عن أي شخص آخر – بل إنهم، في الواقع، اقتصاديون متقنون يتخذون خيارات معقدة للبقاء في عالم مليء بالعقبات. فهم هذه الخيارات هو الخطوة الأولى والأهم نحو تصميم عالم أكثر عدالة

0 تعليقات