قصة الفن

قصة الفن

 

 "قصة الفن" لإرنست غومبريش: رحلة شاملة عبر تاريخ الفن

 كتاب غير مفهوم

 الفن للعالم

يُعد كتاب "قصة الفن" (The Story of Art) للمؤرخ الفني الشهير إرنست هانز جوزيف غومبريش (E.H. Gombrich) أحد أكثر الكتب تأثيرًا وانتشارًا في مجال تاريخ الفن على الإطلاق.

 نُشر لأول مرة عام 1950 بواسطة دار فايدون بريس، وكُتب في الأصل كمدخل يسير لفنون الرسم والنحت والعمارة للقراء الصغار والمراهقين. ومع ذلك، تجاوزت شهرته النية الأصلية، 

ليصبح مرجعًا أساسيًا في الفصول الدراسية ومقدمة محبوبة لعشاق الفن حول العالم، حيث بيع منه أكثر من 8 ملايين نسخة وترجم إلى أكثر من 30 لغة.

تتمثل قوة الكتاب في قدرته على سرد قصة متصلة الحلقات لتطور الفن، بدلاً من تقديمه كسلسلة من الأسماء والتواريخ المجردة. يبدأ غومبريش كتابه بجملة افتتاحية أصبحت مشهورة، تلخص فلسفته: "في الحقيقة، لا يوجد شيء اسمه فن. هناك فقط فنانون"

من خلال هذه العدسة، يركز الكتاب على الأفراد المبدعين، وأعمالهم، والتحديات التي واجهوها، والسياقات الثقافية والاجتماعية والتاريخية التي تشكل فيها فنهم.

منهجية الكتاب وأسلوبه

يمتاز كتاب "قصة الفن" بأسلوب سردي جذاب وواضح، مبتعدًا عن المصطلحات الفنية المعقدة

 مما يجعله في متناول القارئ العادي والطالب على حد سواء. يهدف غومبريش إلى "فتح الأعين، لا فك الألسنة"، مشجعًا القراء على التفكير والتأمل البصري بدلاً من مجرد حفظ الحقائق.

الهيكل والمحتوى المرئي

ينقسم الكتاب (في طبعته الخامسة عشرة) إلى مقدمة و28 فصلًا، تغطي كل منها فترة زمنية ومجالًا جغرافيًا محددًا. إحدى السياسات الأساسية التي اتبعها غومبريش هي ذكر الأعمال الفنية فقط إذا كان بإمكانه عرض صورها، 

ولذلك فإن أكثر من نصف صفحات الكتاب مليء بصور فوتوغرافية ملونة للوحات والرسومات والمنحوتات والعمارة. هذا الجانب البصري يثري التجربة القرائية ويجعل المفاهيم المجردة ملموسة.

الفترات الفنية الرئيسية:

الفترة/الحركة الفنيةالفصول التقريبيةالسمات الأساسية والأمثلة
ما قبل التاريخ والفن البدائي1: بدايات غريبةفن الكهوف (لاسكو)، الفنون الطقسية والسحرية.
الحضارات القديمة2-5مصر (قواعد التمثيل)، اليونان (الاستيقاظ العظيم، مثالية الجمال)، روما (الواقعية، الهندسة).
العصور الوسطى والبيزنطة6-10فن مسيحي، العمارة الرومانسكية والقوطية (كنائس كاتدرائية)، الفن كأداة تعليم ديني.
عصر النهضة12-16اكتشاف المنظور، دراسة التشريح، الفردانية، أعلام مثل ليوناردو دافنشي وميكلانجيلو ورافائيل.
الباروك والروكوكو19-22الدراما، الحركة، تأثير الضوء (كارافاجيو)، الفن كأداة للإبهار.
القرن التاسع عشر24-26الثورة الصناعية، الرومانسية، الواقعية، الانطباعية (مونيه)، ما بعد الانطباعية (فان جوخ، سيزان).
القرن العشرين (الحديث)27-28التكعيبية، التجريد، السريالية، كسر التقاليد، البحث عن معايير جديدة.

 من الفن البدائي إلى العصور الكلاسيكية

البدايات الغريبة: ما قبل التاريخ والعالم القديم

يبدأ غومبريش رحلته مع أقدم المظاهر الفنية للإنسان، مثل رسومات الكهوف في لاسكو. 

يرفض النظر إليها كمجرد سجلات للصيد، بل كتعبير عن احتياجات روحية وسحرية، وكرغبة بشرية أساسية في التواصل والتمثيل. ثم ينتقل إلى الفن المصري القديم، محللاً قواعده الصارمة في التصوير (الجسم من الأمام، الرأس والأطراف من الجانب)

 وموضحًا كيف أن هذه القواعد لم تكن بسبب "عدم القدرة" على الرسم الواقعي، بل كانت تخدم غرضًا دينيًا واجتماعيًا يتمثل في الاكتمال والخلود، حيث كان الفن يُصنع من أجل الأبدية.

الاستيقاظ العظيم وعالم الجمال: اليونان وروما

يرى غومبريش أن الفن الإغريقي يمثل "استيقاظًا عظيمًا" من سبات القواعد الصارمة

فبدلاً من تصوير المثل العليا للآلهة فقط، بدأ الفنانون اليونانيون في التركيز على الجسد البشري المثالي ودراسته.

 يصف تطور الفن اليوناني من النحت الأركيائي الجامد إلى الكلاسيكي المتناسب، ثم إلى الهلنستي المعبر والدرامي. كانت روما وريثة لهذا الإرث، لكنها أضافت تركيزًا قويًا على الواقعية (خاصة في صور الشخصيات) وعلى الإنجازات الهندسية العملية (مثل الكولوسيوم).

 بين الكنيسة والإنسان

الانقسام والانصهار: الفن البيزنطي والعصور الوسطى الغربية

بعد سقوط الإمبراطورية الرومانية، يتتبع الكتاب الانقسام بين التقليد البيزنطي (الشرقي)، الذي حافظ على الطابع الرسمي والروحي

 والتقليد اللاتيني (الغربي) الذي دخل في "بوتقة انصهار" خلال العصور المظلمة. خلال العصور الوسطى، أصبح الفن في أوروبا بشكل شبه كامل أداة تعليمية دينية،

 تهدف إلى نقل قصص الإيمان للجماهير الأمية. تتجلى قمة هذا التوجه في العمارة الرومانسكية والقوطية، حيث تحولت الكاتدرائيات الضخمة (مثل نوتردام) إلى "كتب حجرية" مليئة بالمنحوتات والزجاج المعشق التي تخاطب المؤمن.

عصر النهضة: ثورة الرؤية والمنظور

يُعد عصر النهضة محورًا مركزيًا في سرد غومبريش. فهو لا يراه فقط كإحياء للفن الكلاسيكي

 بل كـ ثورة في الرؤية ذاتها. يشرح غومبريش كيف أدى تطوير المنظور الخطي (على يد فنانين مثل برونليسكي) ودراسة التشريح البشري (كما لدى ليوناردو دافنشي) إلى قدرة غير مسبوقة على تمثيل العالم ثلاثي الأبعاد على سطح مستوٍ. لم يعد الفنان مجرد حرفي ينفذ أوامر راعيه الديني، بل أصبح مفكرًا ومخترعًا يسعى لفهم العالم من حوله.

مثال مقارن: يستخدم غومبريش أعمالاً مثل "مولد فينوس" لبوتيتشيلي و"الموناليزا" لليوناردو دافنشي لتوضيح الانتقال من تصوير المثالية الرمزية إلى استكشاف الفردية والعمق النفسي للإنسان.

 تطور دور الفنان عبر العصور الرئيسية:

العصردور الفنانالموضوعات السائدةنمط الرعاية
العصور القديمة (مصر، اليونان)حرفي/صانع ماهر يتبع القواعد.دينية، سياسية، أسطورية.المعابد، الدولة، النبلاء.
العصور الوسطىحرفي يعمل ضمن النقابات، ينفذ لخدمة الدين.دينية مسيحية بحتة (تعليمية).الكنيسة بشكل أساسي.
عصر النهضةمفكر، مخترع، عالم، فنان فردي.دينية، أسطورية، صور شخصية، استكشاف الطبيعة.رعاة من رجال الدين والنبلاء، ثم الأثرياء من المدن.
الباروكساحر بصري، يخلق المشاهد الدرامية.دينية (للكنيسة الكاثوليكية)، صور للقوة (للملوك)، مشاهد يومية (في هولندا).الكنيسة، البلاط الملكي، النخبة الثرية.
الحديث (القرن 19-20)متمرد، فيلسوف، معبر عن الذات الداخلية.الطبيعة (الانطباعية)، العواطف (التعبيرية)، الأشكال المجردة، نقد المجتمع.السوق الفنية، المعارض، الرعاة الأفراد.

 الفن في العصر الحديث

الكلاسيكية والباروك والتنوير

يستعرض الكتاب تطور الفن بعد عصر النهضة نحو الدرامية والحركة في فن الباروك (كارافاجيو، روبنز)، ثم نحو الأناقة والزخرفة في الروكوكو.

 مع عصر التنوير في القرن الثامن عشر، بدأ الفن في تبني قيم العقل والوضوح، كما يتجلى في البورتريهات الإنجليزية واللوحات الفرنسية التي تعكس الأفكار الفلسفية الجديدة.

 القرن التاسع عشر وأوائل العشرين

هنا يتسارع إيقاع "القصة". يربط غومبريش بين الثورات السياسية والصناعية وانزياحات الفن الجذرية. يتتبع صعود الرومانسية (مع تركيزها على العاطفة)، ثم الواقعية (التي صورت الحياة العادية بصدق). لكن التحول الأكبر يأتي مع الانطباعية (مونيه، رينوار)، التي هجرت الاستوديو لترسم اللحظة العابرة وتأثيرات الضوء، متحدية التقاليد الأكاديمية.
يصف غومبريش كيف أدت تجارب سيزان وفان جوخ وغوغان إلى تفكيك الصورة التقليدية، مما مهّد الطريق لـ التكعيبية (بيكاسو)، والتعبيرية التجريدية، وغيرها من حركات الحداثة في النصف الأول من القرن العشرين. يلاحظ أن الفن أصبح يتعلق أكثر فأكثر باستكشاف اللغة البصرية نفسها، وبتعبير الفنان عن عالمه الداخلي، وغالبًا ما يكون ذلك على حساب الوضوح المباشر للجمهور العريض.

تأثير الكتاب وتلقيه النقدي

الإرث والاستقبال

منذ صدوره، احتل الكتاب مكانة أسطورية كأحد أكثر الكتب مبيعًا في مجاله، ودخل في قائمة مجلة التايمز لأفضل 100 كتاب غير روائي على الإطلاق.
تم الإشادة به لـ قدرته التعليمية الفائقة، واعتبره النقاد إضافة قيّمة لأي مكتبة تعليمية. يُنسب إليه الفضل في تأسيس نسق (كانون) واضح لتاريخ الفن الغربي، أي مجموعة من الأعمال والأسماء التي تعتبر أساسية لفهم هذا التاريخ.

الانتقادات والقيود

على الرغم من نجاحه الهائل، لم يخلُ الكتاب من الانتقادات، خاصة مع تقدم السنين واتساع الآفاق الفكرية:

  1. المركزية الأوروبية والذكورية: أكثر الانتقادات شيوعًا هو تركيزه الشديد على الفن الغربي، وتهميشه الواضح للفنون غير الأوروبية (مثل فنون آسيا وأفريقيا الأصلية)، والتي تم التطرق إليها في فصول قليلة فقط كفنون "بدائية" أو للحديث عن تأثيرها على الغرب. كما تجاهل الكتاب تقريبًا بشكل كامل الفنانات النساء، حيث لم تضم الطبعة الأولى أي فنانة، ولم تضم سوى واحدة في الطبعة السادسة عشرة.

  2. موقفه من الفن الحديث: اعترف غومبريش نفسه بأنه لم يكن مرتاحًا بشكل كامل مع الفن الحديث غير التصويري (التجريدي)[.
     وانتقد بعض النقاد فصول الكتاب الأخيرة لكونها مختصرة وأحيانًا متجاهلة تجاه بعض تيارات الفن في النصف الثاني من القرن العشرين[.

  3. طبيعة السرد: بينما يجعل السرد الواضح الكتاب سهل القراءة، إلا أنه قد يخلق انطباعًا بـ خطية التطور الفني ووحدة القصة، بينما تاريخ الفن في الواقع أكثر تفرعًا وتنازعًا بين تيارات متعددة.

 قصة لا تنتهي

يختتم غومبريش كتابه بفصل بعنوان "قصة بلا نهاية..."، معترفًا بأن مسيرة الفن مستمرة ولا يمكن التنبؤ باتجاهها. يؤكد أن الفن ليس مثل العلم يتقدم باتجاه واحد، بل هو حوار دائم بين الماضي والحاضر

 بين التقاليد والابتكار. رغم كل انتقاداته، يظل "قصة الفن" إنجازًا أدبيًا وتعليميًا ضخمًا. لقد نجح نجاحًا باهرًا في تحقيق هدف غومبريش الرئيسي: جعل تاريخ الفن ممتعًا وذو معنى للقارئ غير المتخصص. 

الكتاب ليس مجرد سجل للحقائق، بل هو دعوة للمشاهدة النشطة، والتفكير النقدي، وفهم أن كل عمل فني هو حلقة في سلسلة طويلة من المحاولات البشرية لفهم العالم والتعبير عنه. 

وهو بهذا المعنى، لا يزال حتى اليوم نقطة انطلاق لا غنى عنها لأي رحلة في عالم الفنون البصرية الواسع

إرسال تعليق

0 تعليقات