غداء في بيت الطباخة لمحمد الفخراني

 

غداء في بيت الطباخة

 "غداء في بيت الطباخة" 

 محمد الفخراني (2024)

تمهيد

رواية "غداء في بيت الطباخة" للكاتب المصري محمد الفخراني، الصادرة عن دار العين للنشر (2023)، تُعدّ عملاً أدبياً استثنائياً فاز بجائزة أفضل رواية في معرض القاهرة الدولي للكتاب (الدورة 55) .
تدور حول ثنائي من الجنود المتعاديين – مدرس تاريخ يرتدي زياً رمادياً وطباخ يرتدي زياً بنياً – يلتقيان في خندق ضيق خلال حرب مجهولة الزمان والمكان، ويضطران لقضاء خمسة أيام معاً بعد إصابتهما بجروح متبادلة. عبر حواراتهما، تتحول عداوتهما إلى صدقة، وتكشف الرواية عن عبثية الحرب وقوة الإنسانية في مواجهة الدمار .

 تمثيل التناقض والوحدة

  1. الجندي الرمادي (مدرس التاريخ):

    • رجل مثقف يمتلك وعياً تاريخياً، كان يُدرّس التاريخ قبل الحرب. يحمل رسائل زوجته وابنته كذكرى لحياته السلمية، ويسعى لفهم جذور الصراع البشري. يمثل العقلانية والذاكرة الجمعية .

  2. الجندي البني (الطباخ):

    • شخص رومانسي يرتبط ذكره بأمه "أحسن طبّاخة في العالم". يستحضر ذكريات الطهي كرمز للحب والتشارك. مقولته الشهيرة: "الطبخ هو أن تطهو بعض السعادة لغيرك" تُجسّد فلسفته في الحياة .

  3. الحرب (كشخصية راوية):

    • الابتكار الأبرز في الرواية، حيث تُمنح الحرب صوتاً ذاتياً عبر ضمير المتكلم. تظهر ككيان مُجبر على خدمة البشر: "يطلبني البشر للعمل، يصرون رغم أني متطلبة جداً... كل شيء في العالم يحصل على إجازة إلا أنا" .
       توصف بأنها "طفلة جوانية في مكان جواني بداخلي"، مما يحوّل اللوم من الحرب كفكرة إلى الإنسان كمحرك رئيسي للعنف .


 الحرب، الإنسانية، والعبثية

1. عبثية الحرب وتجريدها من المبررات

  • التعميم الرمزي: تجهيل الزمان والمكان والشخصيات (بدون أسماء) يجعل الحرب نموذجاً مجرداً لكل الصراعات عبر التاريخ. يقول الفخراني: "أردت أن تكون الحرب حرباً بلا هوية... كي لا ينحاز القارئ لطرف" .

  • أسئلة وجودية: يطرح الجنديان تساؤلات تكشف العبث:

    • "أين كانت أول حرب؟ ولماذا؟"

    • "كم يحتاج البشر من الوقت ليبدأوا حروباً على كوكب جديد؟" .

  • مقارنة بالحياة العادية"كل الأصوات التي نسمعها في الحرب كانت تضحك... وكل العيون التي تترقب لقتل إنسان كانت تنظر بالحب" .

2. الإنسانية في مواجهة الآلة العسكرية

  • تحول العداوة إلى تضامن: خلال الأيام الخمسة:

    • يتشاركان الطعام القليل.

    • يساعد كل منهما الآخر في تضميد جروحه.

    • يتبادلان الرسائل والوعود بلقاء في زمن السلم .

  • البطولة الخفية: الرواية تمجد "الأشخاص العاديين" الذين لا تذكرهم الكتب:

    • "البطولة في الأشخاص العاديين... هم الحبر الذي يُكتب به التاريخ، لكنه لا يكتب أسماءهم" .

3. الاختلاف كسبب للحياة لا للموت

  • حوار بين الجنديين:

    • "لو كنا جميعاً متشابهين، العالم سيكون مملاً وميتاً وغبياً" .

    • يُقدّم الاختلاف كـ مصدر للتكامل والمتعة، لا كذريعة للصراع .


تقنيات تجريبية ومركبة

1. تعدد الأصوات والرؤى

  • الراوي العليم: يصف الأحداث الخارجية بدقة، كسقوط الجنديين في الخندق: "خندق من طين جاف، عرضه متران، ارتفاعه متر ونصف... جندي في زيه الرمادي" .

  • سرد ذاتي للحرب: صوت الحرب يقدم نقداً لاذعاً للبشر:

    • "أنا أعدكم لو بدأتم حياتكم على كوكب جديد، ستحتاجونني خلال سنوات قليلة" .

  • الحوار كبطل رئيسي: وفقاً للفخراني، الحوار هو أداة مقاومة الحرب: "في الخندق، السلاح أو الحوار... الرواية منحتهما فرصة للحوار" .

2.  التضيق والاتساع

  • زمن مضغوط: 5 أيام فقط، لكنها تحوي:

    • حوارات فلسفية.

    • ذكريات الماضي (فلاش باك).

    • رؤى مستقبلية (أحلام ما بعد الحرب) .

  • فضاء مغلق: الخندق الضيق (2×1.5 متر) يتحول إلى فضاء ميتافيزيقي:

    • الذرة النابتة: رمز للأمل، تنمو من متر واحد في أيام قليلة رغم الظروف القاسية .

    • المذياع والتلفزيون الصغير: يستدعيان أصوات الموسيقى (كمان) وصور الحياة السعيدة، كـ موازنة سوريالية للواقع الدامي .

3. لغة شعرية وصور مجازية

  • وصف حسي"شمس برتقالية لم تجف ألوانها... يسمعان صوت الشروق وصوت اللون البرتقالي" .

  • مفارقات لاذعة"في الحرب لا اتجاه... عندما ترى بعينيك تتأكد أكثر أنك لا تعرف" .

  • تكرار طفولي: وصف الحرب كـ "طفلة جوانية" يُكرر لتعزيز فكرة براءتها المُغتَصبَة .


 من الذرة إلى الغداء

  1. الذرة:

    • نبتة يزرعها الجنديان في الخندق، ترمز لـ استمرار الحياة رغم الحرب. نموها السريع يتحدى منطق الزمن الطبيعي، مؤكداً أن الأمل قد ينبت في أصعب الظروف .

  2. الغداء في بيت الطباخة:

    • العنوان يختزل الحلم المشترك: دعوة الأم الطبّاخة لكل الجنود إلى وليمة سلام. يقول الطباخ: "أمي تدعوكم كلّكم... إلى غداء تَطبخه بنفسها" . الغداء هنا ليس طعاماً بل استعارة للمصالحة.

  3. الألوان (بني/رمادي):

    • تُمهّد للاندماج التدريجي، حيث يذوب التمايز بينهما مع تقدم الأحداث، رمزاً لـ توحد المصير الإنساني .


السياق الأدبي والجماليات

  • التأثر بالسرد السينمائي: مشاهد مثل "عين الكاميرا" تُظهر تفاصيل الجروح والطبيعة بتقنية تقطيع لقطي .

  • المزج بين الواقعي والفانتازي: ظهور مشاهد سيرك وهمي داخل الخندق يخلق مساحة للتأنسن وسط القتل .

  • السهل الممتنع: رغم عمق الأفكار، تستخدم الرواية لغة بسيطة تصل إلى القارئ دون تكلف. يقول الفخراني: "في الكتابة، من السهل أن تكون صعباً، ومن الصعب أن تكون سهلاً" .


 الجوائز

  • الجائزة الأهم: فوزها بجائزة معرض القاهرة 2024 جعلها مرجعاً في أدب الحرب العربي .

  • ردود القراء: أشادوا بـ "الرائحة الإنسانية" التي تفوح من النص، رغم قسوة موضوعه .

  • مقارنات عالمية: يُذكر أسلوبها بمدرسة "ما بعد الحداثة" في تشخيص المفاهيم (كحوار الحرب)، لكن بخصوصية عربية تركز على التضامن لا الفردية.


 الإنسانية كخيط ضوء في نفق الحرب

"غداء في بيت الطباخة" ليست رواية عن الحرب فحسب، بل عن إمكانية إنقاذ الإنسانية من أنيابها. عبر 144 صفحة فقط، تثبت أن الأدب قادر على تحويل الخندق من فضاء للموت إلى مسرح للحياة.

 جملة الطباخ: "اُطبخ بحب، ومن يأكل سيعرف"  قد تكون خلاصة العمل: الإنسانية وصفة تُطهى يومياً، حتى في ظل الحرب.

"أنا لا أسحب ثقتي من الروح الإنسانية" 
– هذه العبارة التي تختتم بها الرواية، تُلخّص رسالة الفخراني: الإيمان بالإنسان رغم كل ما يفعله بنفسه


مصادر

 

إرسال تعليق

0 تعليقات