"هناك أنهار في السماء" لأليف شافاق
رحلة قطرة ماء عبر الزمن والذاكرة
"الماء يتذكر. البشر هم من ينسون."هذه العبارة الاستثنائية التي تردد صداها عبر صفحات رواية أليف شافاق الأخيرة "هناك أنهار في السماء" (2024)
ليست مجرد استعارة شعرية، بل هي الناظم الكوني الذي يربط بين عوالم متباعدة في الزمان والمكان، بين أطلال نينوى القديمة على ضفاف دجلة، وأحياء لندن الفقيرة على ضفة التيمز، ومآسي الإيزيديين على حدود العراق وسوريا.
في هذا العمل الضخم الذي يرقى إلى تحفة أدبية، تنسج شافاق بسحرها المعهود سجلاً من ثلاثة أزمنة وشخصيات لا تلتقي إلا عبر ذاكرة الماء وقسوة النسيان البشري.
نهر من ثلاثة مجارٍ
تقوم الرواية على ثلاث حكايا متوازية تلتقي عند لحظات مصيرية:
- آرثر سميث (لندن 1840 - بلاد ما بين النهرين):وُلِدَ في قاع الفقر المدقع على ضفاف التيمز الملوثة، وحمل لقب "الملك آرثر لمجاري الأنهار والأحياء الفقيرة". تمتلك هذه الشخصية المستوحاة من عالم الآشوريات الحقيقي جورج سميث ذاكرة خارقة وهوساً باللغات القديمة.عمله في مطبعة يفتح له أبواب المعرفة، خاصة عبر كتاب "نينوى وبقاياها"، ثم لقاء مصادفي مع تشارلز ديكنز يمنحه فرصة دخول المتحف البريطاني.هناك يكتشف موهبته في فك رموز الكتابة المسمارية، لينكشف أمامه جزء من "ملحمة جلجامش"، خاصة "لوح الطوفان" الذي يسبق قصة نوح التوراتية بألف عام. هوسه بالماضي يدفعه للرحيل إلى نينوى حيث يلتقي مجتمع الإيزيديين ويقع في حب العرافة ليلى، قبل أن تتحول رحلته إلى مأساة إنسانية .
- نارين (تركيا/العراق 2014):طفلة إيزيدية في العاشرة من عمرها، تواجه مصيراً مزدوجاً: مرض نادر يفقدها السمع، ومجتمع يتهدده صعود داعش. تجبرها جدتها بسما - الحارسة التقليدية لـ "موهبة استشعار الماء" - على رحلة خطرة إلى لاليش في العراق لتعميدها قبل فوات الأوان.خلال الرحلة، تروي الجدة حكايات عن ماضي عائلتهم المرتبط بآرثر سميث وآلة القانون الموسيقية التي أهداها لهم. لكن الرحلة تنتهي بالكارثة: هجوم داعش، مقتل الجدة، واختطاف نارين لتباع كـ"جارية" وتواجه أهوالاً لا تُحتمل .
- زليخة (لندن 2018):عالمة هيدرولوجي من أصل تركي، تعيش على متن مركب في نهر التيمز هرباً من زواج فاشل وألم طفولة معلّمة بفقدان والديها في فيضان على نهر دجلة. تربّت على يد عمها الثري مالك الذي يحمل توقعات ثقيلة عنها.لقاءها مع "نن" - امرأة أيرلندية تمتلك محل وشم متخصص بالرموز المسمارية - يفتح باباً جديداً للحب والانتماء. لكن اكتشافها أن عمّها يخطط "لشراء" نارين الإيزيدية لتكون متبرعة كلوية لابنته، يضعها أمام اختبار أخلاقي يهزّ كيانها .
"الفقر لو كان مكاناً لكان غابةً ملعونة - رطبة وكئيبة - تتشبث أغصانها بك، وتقطع طريقك، وتصرّ على ألا تطلق سراحك. حتى عندما تنجح في اقتلاع عائق، يظهر آخر فوراً. الفقر يستنزف إرادتك، شيئاً فشيئاً" .
شرايين الحياة وجروح الذاكرة
لا تكتفي شافاق بأن تجعل من النهرين العظيمين - دجلة والتيمز - مجرد ديكور لحركة الشخصيات، بل تحوّلهما إلى شخصيتين رئيسيتين تحملان ذاكرة الجميع:
نهر دجلة: شاهِدٌ على عظمة نينوى ومكتبة آشوربانيبال، حامل أسرار ملحمة جلجامش، ومُذكّرٌ دائمٌ بجريمة سرقة آثار بلاد الرافدين لنقلها إلى المتاحف الغربية. هو النهر الذي شهد مآسي الإيزيديين عبر التاريخ، والذي يُهدّد اليوم بالسدود والنسيان .
نهر التيمز: رمز التناقض الصارخ؛ يجمع بين عظمة الإمبراطورية وقذارة الفقر المدقع، بين ولادة آرثر في الوحل واختيار زليخة العيش على مركب هرباً من حياتها. هو النهر الذي يحمل "الغنائم" الثقافية من الشرق، لكنه لا يستطيع غسل عار الاستعمار .
"بعض الملوك يأتون وبعضهم يذهبون... لا تنسوا أن الحاكم الحقيقي الوحيد هو الماء" .
الخيط الذي يخيط الجروح
ليست "ملحمة جلجامش" - أقدم نص أدبي مكتشف في التاريخ - مجرد خلفية ثقافية في الرواية، بل هي المرآة التي تعكس أسئلة الشخصيات الأزلية:
بحث آرثر عن اللوح المفقود للملحمة هو بحث عن معنى لوجوده الفقير المنعزل.
زليخة تكتشف في نصوصها حكمة موازية لعلاقتها بالماء: "ما الفائدة من الصراع ضد الموت إن كان الخلود مستحيلاً؟".
حوارات "نن" عن الملحمة تفضح تناقضات عمّ مالك الذي يقدّس النص القديم لكنه يتجاهل أخلاقياته الإنسانية .
"الكلمات كالطيور... عندما تنشر الكتب، فأنت تحرر طيوراً محبوسة في أقفاص... لا تدري من سيصل إليه تلك الكلمات، وأي القلوب ستستسيم لغناها العذب" .
صوت من تحت الركام
تقدم شافاق عبر شخصيتي نارين وبسما أعمق تصوير روائي للمأساة الإيزيدية في العقد الأخير:
التاريخ المنسي: عبر حكايات الجدة، نكتشف أن مذابح 2014 ليست الأولى: "لقد تعرضنا لـ 74 إبادة عبر التاريخ، لكن العالم لا يتذكر".
الهوية المستباحة: وصمهم بـ"عبدة الشيطان" تبريراً لاضطهادهم، رغم أن دينهم واحد من أقدم الأديان التوحيدية.
نساء أمام الجحيم: مشاهد اختطاف النساء وبيعهن في أسواق النخاسة تمت كتابتها بقلم لا يخلو من رعب واقعي، لكنه يحمل كرامة توثيقية .
الأطفال، في ذهول وتيه، يسيرون بصمت، خوفاً من البكاء. امرأة عجوز تتوسل لعائلتها أن يتركوها لتموت... الجميع يحملون أطرافهم كأشجار جوفاء... لا ظلّ يُرى... الحرارة المتصاعدة من الأرض تتلوّى لتشكّل خطاً شبحياً من الخطّ العربي" .
الفيلسوف الخفي
تتحول نظرية "ذاكرة الماء" - التي اقترحها العالم جاك بنفينست في الثمانينيات - إلى فلسفة روائية متكاملة:
القطرة الشاهدة: تبدأ الرواية بقطرة مطر تسقط على رأس آشوربانيبال، لتعود كندفة ثلج على لسان آرثر عند مولده، ثم كقطرة ماء معمدٍ لنارين، وأخيراً كدمعة في عين زليخة. جسدٌ مائي واحد يعبر الزمن.
العلم والشعر: دراسات زليخة الهيدرولوجية عن دورة الماء تصبح استعارة لدورة الألم البشري: "الماء مهاجر كامل، محاصر في العبور، غير قادر على الاستقرار".
النسيان البشري: بينما يحفظ الماء كلّ تاريخه، ينسى البشر جرائمهم: سرقة الآثار، تدمير السدود للحضارات، وصم الأقليات، وتجارة الأعضاء .
"المرأة يُنتظر منها أن تكون كالنهر - تتكيف، تغيّر شكلها، تتدفق حول العوائق دون أن تفعل العوائق فيها كسوراً" .
مقبرة الذاكرة
في مشهد ختامي يمتزج فيه الواقعي بالرمزي، تلتقي الأجيال الثلاثة عند مقبرة في حسن كيف (المدينة التركية المهددة بالغرق تحت مياه السدود):
زليخة ونن تنقذان نارين من مخطط عم مالك.
نارين تضع الزهور على قبور ليلى وبسما، وتشير إلى قبر آرثر.
النهاية ليست إغلاقاً للجراح، بل اعترافاً بأن الألم جزء من ديمومة الحياة، مثل الماء الذي يتحول ولا ينتهي .
عن الروايه
"هناك أنهار في السماء" ليست مجرد نص - إنها نصب تذكاري للمنسيين:
ضدّ نزعة التفوّق الغربي: فضح جرائم استعمار الآثار عبر شخصية آرثر الذي يكتشف أن "البحث العلمي" البريطاني كان غطاءً للنهب المنظم.
صوت لمن بلا صوت: الرواية من الأعمال القلائل التي توثق مأساة الإيزيديين بلغة أدبية عالمية.
أنطولوجيا الماء: في زمن التغير المناخي، تذكرنا شافاق أن النهر ليس "مورداً" بل شريان حياة وذاكرة جماعية .
"بالنسبة لنا، الذاكرة هي كل ما نملك. إذا أردتِ أن تعرفي من أنتِ، عليكِ أن تتعلمي حكايات أسلافك" .

0 تعليقات