نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي (فقه المرأة)" لمحمد شحرور

نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي (فقه المرأة)" لمحمد شحرور


 ملخص "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي (فقه المرأة)" لمحمد شحرور


 المشروع الفكري لمحمد شحرور


يمثل كتاب "نحو أصول جديدة للفقه الإسلامي (فقه المرأة)" للمفكر السوري محمد شحرور (صدر عام 2012 عن دار الساقي) محطة مركزية في مشروعه الفكري الطموح لإعادة بناء الفقه الإسلامي على أسس جديدة، حيث يركز بشكل خاص على قضايا المرأة التي يرى أنها عانت من إجحاف كبير على امتداد التاريخ الإسلامي بسبب جمود الفقه التقليدي وتوقف الاجتهاد.


ينطلق شحرور في كتابه من إشكالية أساسية: كيف يمكن للإسلام بصفته رسالة خاتمة وصالحة لكل زمان ومكان أن يظل حيوياً وفاعلاً في العصر الحديث، إذا ظل فهمه محصوراً في الإطار الذي وضعه السلف، ومكرراً لتفسيرات الطبري وابن كثير والسيوطي؟ وهو بذلك يتبنى موقفاً نقدياً جذرياً من التراث الفقهي، داعياً إلى تجاوز الالتزام المطلق بما جاء به السلف في تفسير القرآن والسنة، والعودة بدلاً من ذلك إلى اجتهاد جديد يستند إلى فهم معاصر للتنزيل الحكيم.


 الكينونة والسيرورة والصيرورة


يؤسس شحرور مشروعه الفكري على ثلاثية فلسفية محورية هي: الكينونة، السيرورة، والصيرورة. يرى أن التنزيل الحكيم له "كينونة" في ذاته، أي وجود ثابت ومطلق كوحي إلهي، لكن له أيضاً "سيرورة" و"صيرورة" بالنسبة لغيره، بمعنى أن مضامينه ومحتوياته تتحرك مع تحرك السيرورة التاريخية والصيرورة المعرفية.


هذا التصور يعني أن النص القرآني ثابت في جوهره، لكن فهمه وتطبيقه يتطوران بتطور الزمان والمكان والمعرفة الإنسانية. فالسنة النبوية نفسها تمثل، وفق رؤية شحرور، "الصيرورة الإنسانية الأولى للتنزيل"، أي التطبيق التاريخي الأولي للنص في سياقه الخاص، وهو تطبيق لا يلزم تكراره حرفياً في كل عصر، بل يجب أن يُفهم في ضوء مقاصده العامة.


نقد الفقه التقليدي وأسباب الجمود


يخصص شحرور جزءاً مهماً من كتابه لتحليل أسباب الجمود الذي أصاب التشريع الإسلامي. ويحدد عدة عوامل رئيسية أدت إلى تعطيل العقل ووقف الاجتهاد، وبالتالي إلى حرمان المرأة الكثير مما هو حق لها. من أبرز هذه العوامل:


1. التقديس المفرط لاجتهادات السلف: حيث تحولت آراء الفقهاء الأوائل إلى نصوص شبه مقدسة لا يجوز مخالفتها، مما جعل الفقه الإسلامي أسيراً لإطار تاريخي محدد بدلاً من أن يكون ديناميكياً متطوراً.

2. سوء فهم علم أسباب النزول: ينتقد شحرور الطريقة التي استخدم بها الفقهاء التقليديون علم أسباب النزول، حيث حولوه من أداة لفهم السياق التاريخي للنص إلى أداة لتقييد دلالته، متناسين أن العبرة بعموم اللفظ لا بخصوص السبب.

3. الخلط بين الثابت والمتغير في السنة النبوية: يرى أن الكثير مما نسب إلى السنة النبوية إنما هو اجتهادات بشرية قابلة للتغيير وليست تشريعات إلهية ثابتة.


أصول جديدة للفقه الإسلامي


بناءً على هذه الأسس، يقترح شحرور أصولاً جديدة للفقه الإسلامي، تقوم على المفاهيم التالية:


القراءة المعاصرة (القراءة المعاصرة)


يقدم شحرور منهجاً في القراءة يسمى "القراءة المعاصرة"، وهو منهج يجعل من الواقع الموضوعي (الواقع) أساساً لعملية التجديد، بدلاً من جعل النصوص وحدها هي الأساس. بمعنى أن الواقع المعاصر بكل تطوراته العلمية والتكنولوجية والاجتماعية يجب أن يكون شريكاً فاعلاً في عملية تفسير النصوص وتطبيقها، وليس مجرد تابع لها. وهذا يتطلب موقفاً إعادة بناء يمنح العقل والواقع حصة أكبر في عملية الاجتهاد، ويفتح الباب أمام فئات جديدة من المنطق الكشفي والاستنباطي.


نظرية الحدود


تعد نظرية الحدود من أبرز إسهامات شحرور المنهجية، وتقوم على التمييز بين الحد الأعلى والحد الأدنى في الأحكام الشرعية. يرى أن النصوص القرآنية تضع حدوداً عليا وأخرى دنيا، مما يترك مساحة واسعة للاجتهاد والتكيف وفقاً للظروف الاجتماعية والتاريخية. وهذه النظرية تتيح مرونة كبيرة في تطبيق الأحكام، خاصة تلك المتعلقة بالمرأة، بحيث يمكن التحرك بين الحدين بما يحقق مصالح الناس في كل عصر ومصر.


تطبيقات فقه المرأة


يطبق شحرور أصوله الجديدة على مجموعة من القضايا الخلافية في فقه المرأة، ويخرج باجتهادات مغايرة للفقه التقليدي في عدة مسائل رئيسية:


الميراث


في قضية الميراث، يقدم شحرور قراءة جديدة تختلف جذرياً عن الفهم التقليدي. يرى أن التنزيل الحكيم لم يسوِّ في الإرث بين الذكر والأنثى كأفراد، بل سوى بين الذكور والإناث كمجموعات. وهذا يعني أن قاعدة "للذكر مثل حظ الأنثيين" ليست قاعدة مطلقة في كل الأحوال، بل هي مرتبطة بسياق اجتماعي معين، ويمكن إعادة النظر في توزيع الميراث وفقاً للظروف المعاصرة التي تغيرت فيها الأدوار الاقتصادية والاجتماعية بين الرجل والمرأة بشكل كبير.


القوامة


يتناول شحرور مفهوم القوامة الذي جعله الفقه التقليدي أساساً لتفوق الرجل على المرأة وولايته عليها. يرى أن القوامة ليست فضيلة أو تكريماً للرجل، بل هي مسؤولية وواجب، وهي مرتبطة بسياقها التاريخي والاقتصادي. في العصر الحديث، حيث أصبحت المرأة شريكة في تحمل أعباء الحياة الاقتصادية والاجتماعية، يجب إعادة تعريف مفهوم القوامة بما يتناسب مع هذا الواقع الجديد، بل إن ظروف العصر قد تجعل القوامة منوطة بالمرأة في بعض الحالات.


تعدد الزوجات


في قضية التعددية الزوجية، يضع شحرور حدوداً كمية وكيفية لها. فهو لا يمنع تعدد الزوجات من حيث المبدأ، لكنه يحدد شروطاً صارمة تجعله استثناءً لا قاعدة. يسمح شحرور بتعدد الزوجات في حالات محددة، مثل الأرامل اللاتي لديهن أطفال وتركهن أزواجهن، وذلك بهدف حمايتهن ورعايتهن. أما التعدد لمجرد الإشباع الجنسي أو كحق مطلق للرجل، فهو أمر غير مقبول في رؤيته.


لباس المرأة والحجاب


يقدم شحرور قراءة مختلفة لآيات الحجاب، حيث يفرق بين الحد الأدنى والحد الأقصى للغطاء. يرى أن الحد الأقصى للحجاب هو تغطية الجسد كله ما عدا الوجه والكفين، أما الحد الأدنى فهو تغطية الجيوب أي منطقة الصدر وتحت الإبطين والعورة، فيما عدا ذلك فهو ليس من العورات التي يجب تغطيتها، ويمكن التكيف فيها مع عادات المجتمع. هذا التصور يعني أن الحجاب ليس لباساً ثابت الشكل، بل هو مفهوم أخلاقي واجتماعي يرتبط بالحياء والاحتشام، ويمكن أن يتخذ أشكالاً مختلفة باختلاف الأزمنة والأمكنة.


العلاقات بين الجنسين


في مسألة العلاقات بين الجنسين، يذهب شحرور إلى آراء مثيرة للجدل، حيث يرى أن العلاقات بين المراهقين من الجنسين دون زواج أو معاشرة قد تكون "حلالاً" إذا تمت بإرادة الطرفين دون عقد، وبشروط أخلاقية معينة. وهذا الموقف يوضح مدى جرأة شحرور في إعادة النظر في الفقه التقليدي، ويبين لماذا لاقت آراؤه معارضة شديدة من المؤسسات الدينية التقليدية.


تقييم نقدي للمشروع


لقي كتاب شحرور واجتهاداته الفقهية ردود فعل متباينة؛ بين من يعتبره ثورة فكرية ضرورية لتجديد الفقه الإسلامي، ومن يراه تجاوزاً لحدود النص الشرعي ومخالفة صريحة للإجماع الفقهي. ويحذر بعض العلماء من هذا الكاتب، معتبرين أن قراءاته للنصوص القرآنية قراءات غير معتمدة وتؤدي إلى نتائج خطيرة.


ومع ذلك، يظل مشروع شحرور محاولة جادة لإعادة التفكير في الفقه الإسلامي في ضوء متغيرات العصر، محاولاً التوفيق بين ثبات النص وتطور الواقع، وبين خصوصية التشريع وعالمية الرسالة الإسلامية. ويبقى السؤال الأهم الذي يطرحه الكتاب: هل يمكن إعادة بناء الفقه الإسلامي على أسس جديدة دون المساس بجوهر الرسالة وثوابتها؟ هذا هو السؤال الذي سيظل مفتوحاً أمام الأجيال القادمة من المفكرين والفقهاء.

إرسال تعليق

0 تعليقات