"الدين والسلطة: قراءة معاصرة للحاكمية" لمحمد شحرور
الكتاب والمؤلف
صدر كتاب "الدين والسلطة: قراءة معاصرة للحاكمية" للمفكر السوري محمد شحرور عام 2014 عن دار الساقي في بيروت، ويقع في 480 صفحة . يأتي هذا الكتاب ضمن مشروع شحرور الفكري المتكامل الذي بدأه بكتابه الشهير "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" عام 1990، ويهدف إلى تقديم قراءة جديدة للنص القرآني تواكب العصر، وتحرر الفكر الإسلامي من الجمود التراثي .
محمد شحرور (1938-2019) هو مفكر سوري من أصل دمشقي، حمل شهادة الدكتوراه في الهندسة المدنية من أيرلندا، وعمل أستاذاً في جامعة دمشق . وقد اتهمه البعض باعتناق الفكر الماركسي خلال دراسته في موسكو، لكنه أكد لاحقاً تخليه عن هذا الفكر، ووجد فيه تشابهاً مع الفكر الإسلامي المتشدد في جوانب التكفير والقطيعة . تميز مشروع شحرور بالاعتماد على المنهج اللغوي والتاريخي في قراءة النص، ورفض اعتبار السنة النبوية مصدراً تشريعياً مستقلاً، مما أثار جدلاً واسعاً بين مؤيدين ومعارضين لأفكاره .
تقسيم للكتاب
ينقسم الكتاب إلى بابين رئيسيين، يتضمن كل منهما ثلاثة فصول :
الباب الأول: الحاكمية
· طروحات الحاكمية في القرن العشرين: عرض وتحليل
· خصائص الرسالة المحمدية مقارنة بالشرائع السابقة
· قراءة معاصرة للحاكمية
الباب الثاني: الدين والسلطة
· جدلية الدين والسلطة
· الطغيان
· الدولة المدنية
يتناول الباب الأول بالتحليل والنقد تصورات الحاكمية لدى أبرز منظري الإسلام السياسي، من أبي الأعلى المودودي وسيد قطب إلى الحركات السلفية الجهادية المعاصرة . أما الباب الثاني فيتناول قضايا الإكراه والحرية، وسلطات الدولة، والدستور، والمواطنة، ومفهوم الدولة المدنية في الإسلام .
نقد مفهوم الحاكمية في التراث والإسلام السياسي
يرى شحرور أن مفهوم الحاكمية كما طرحته حركات الإسلام السياسي، سواء المعتدلة أم المتطرفة، ينطوي على تجاوز خطير للمفهوم القرآني الأصيل . فقد اعتمدت هذه الحركات على الأحاديث السياسية لتبرير أي سلوك سياسي مسلط، وأعطت قرارات النبي التي اتخذها لتسيير دولته في السلم والحرب بعداً مقدساً، مع أن هذه القرارات لم تكن ديناً أصلاً، بل اجتهادات إنسانية من مقام النبوة وليس من مقام الرسالة .
وينتقد شحرور تحويل عبارة "الحاكمية لله" إلى برنامج سياسي تمنح بموجبه جماعة أو سلطة بشرية نفسها حق تمثيل الإرادة الإلهية . ولا يقتصر النقد على الجماعات المتطرفة، بل يشمل البنية المرجعية لأحزاب الإسلام السياسي التي اعتمدت على الموروث الفقهي والحديثي في بناء تصوراتها للدولة .
ويوضح شحرور أن إضفاء صفة دينية مطلقة على قرارات السلطة يؤدي إلى إخراجها من مجال النقد والمحاسبة، ويدعو إلى وضع الفقه في إطاره التاريخي والفصل بين عمل الفقهاء وعمل السلطة التشريعية المعاصرة، بما يمنع ازدواج القانون المدني والحكم الفقهي .
التمييز بين النبوة والرسالة
يعد التمييز بين مقامي "النبوة" و"الرسالة" من الركائز الأساسية في فكر شحرور السياسي . فالرسالة، في تصوره، هي مجال الأحكام والقيم والشعائر التي بلغها النبي للناس، وهي ثابتة. أما النبوة فترتبط بالمعرفة والتعليم والاجتهادات التي صدرت في سياق حياة النبي ومجتمعه، وهي تاريخية قابلة للتغيير .
يستعمل شحرور هذا التمييز للقول إن الإجراءات المتعلقة بإدارة مجتمع المدينة والقتال وتنظيم السلطة كانت إجراءات تاريخية مرتبطة بظروفها، وليست شكلاً مؤسسياً ملزماً لكل دولة لاحقة . فالنبي كان يتبع قوانين الحرب السائدة في عصره، ومن ثم لا يمكن أخذ تشريع من مثل قضية بني قريظة، بل كانت العقوبة وفق شريعتهم هم .
مستويات الحاكمية الثلاثة
يقدم شحرور تصوراً مبتكراً للحاكمية يقوم على ثلاثة مستويات، يربطها بتقسيمه للأفعال إلى محرمات ونواهٍ ومباحات :
أولاً: الحاكمية الإلهية الخالصة: تتعلق بالمحرمات التي وردت في القرآن على سبيل الحصر، والتحريم فيها سلطة إلهية لا يجوز للفقيه أو الدولة أو الهيئة التشريعية توسيعها ونسبة محرمات جديدة إلى الله. وهذه المحرمات محددة ومفصلة وأبدية، أي لا اجتهاد فيها .
ثانياً: الحاكمية الإلهية-الإنسانية: تتعلق بالنواهي التي ورد أصلها في النص، بينما تُترك للمجتمع مهمة تنظيمها بواسطة تشريعات متغيرة تراعي الظروف الاجتماعية والاقتصادية. وفي هذه النواهي ترك الله الباب موارباً للجانب الإنساني الذي يجتهد وفق الظروف الزمانية والمكانية .
ثالثاً: الحاكمية الإنسانية: تشمل تنظيم مجال الحلال والمباح بواسطة القوانين التي تضعها المؤسسات البشرية وفق مصالح المجتمع ومتطلبات الحياة العامة. وتنظيم الحلال هو اجتهاد إنساني بحت وليس ديناً، وتنطبق عليه قاعدة "تتغير الأحكام بتغير الأزمان" .
ويفرق شحرور بناء على ذلك بين "التحريم" الديني وبين "المنع" القانوني؛ فالدولة تستطيع منع بعض الأفعال أو تقييدها للمصلحة العامة، لكن قرارها يظل قانوناً بشرياً مؤقتاً قابلاً للتعديل، ولا يتحول إلى تحريم ديني أبدي . ويعرض الكتاب المحرمات التي يحصرها شحرور في أربع عشرة فئة .
الدين والإكراه: فصل السلطات
يميز الكتاب بين سلطة الدين وسلطة الدولة بشكل جوهري . فسلطة الدين عند شحرور مرجعها الضمير والاختيار الفردي، فلا يمكن فرض الإيمان بالإكراه، ودور الدولة في المجال الديني ينبغي أن يقتصر على حماية حرية الاعتقاد وتيسير ممارسة الشعائر، لا تحديد صحة معتقدات المواطنين .
ويعد شحرور الخلط بين السلطتين أحد منابع الطغيان: فإذا استعملت الدولة الدين لمنح قراراتها صفة مقدسة، أو امتلكت مؤسسة دينية وسائل الإكراه التابعة للدولة، أصبحت السلطة البشرية في موضع لا يقبل الاعتراض والمحاسبة . ويقابل ذلك بنموذج يجعل القانون والدستور والمواطنة أدوات لضبط السلطة وحماية حرية الأفراد .
ويؤكد شحرور أن الانقياد الطوعي الاختياري للحاكمية الإلهية مسألة فردية بحتة ولا تحتاج إلى سلطة تفرضها على الناس، بل تبقى علاقة خاصة بين الإنسان وربه . وبالمقارنة بين سلطتي الدين والدولة، فإن الدين يتدخل في حياة الإنسان بملء إرادته ولا يملك أداة الإكراه ويعتمد سلطة الضمير فقط، بينما الدولة تنظم الحلال وتملك سلطة الإكراه وتحافظ على الأمن .
نقد الفقه والسلطة الدينية
يوجه شحرور نقداً لاذعاً لدور رجال المؤسسة الدينية في دعم السلطة السياسية، ويرى أن الفقه منذ الشافعي تحول إلى دين وشرع بحكم الحياة اليومية للإنسان بكل تفاصيلها . وبعد أن تحولت الثقافة السلوكية السائدة في القرن السابع الميلادي إلى دين، أقام الفقهاء من أنفسهم حراساً مسؤولين عن تطبيقها ولو بالقوة، مما ساد معه الاستبداد الفكري القامع للناس في قيامهم وقعودهم ومأكلهم ومشربهم .
ويرى شحرور أن هذا النوع من القهر الثقافي حول الناس إلى أقزام أمام التراث الفقهي، ويضيف: "لقد استكمل السادة العلماء تقزيم الأمة، فكم من الناس ولدوا عباقرة وماتوا بفضل السادة العلماء وهم بهائم" . ويشير إلى أن الأحاديث التي لا تستقيم مع العقل بدأ توظيفها على يد هشام بن عبد الملك الأموي وجعفر المنصور العباسي، بهدف منع الناس من الاعتراض والاحتجاج على كل ما يأتي به الحاكم .
ويخلص شحرور إلى ضرورة رد الفقه إلى مكانه الطبيعي، وهو الإفتاء في الشعائر فقط، وتجريد الفقهاء من السلطة التي اكتسبوها، فلا يحق لهم التدخل في التشريع . ويؤكد أن أمور إنشاء الدولة من قبل النبي والصحابة كانت إجراءات سياسية خضعت للظروف السائدة، واعتبارها شرعاً يجعلنا غير قادرين على تغييرها .
مفهوم الفطرة والقيم الإنسانية
يقدم شحرور قراءة خاصة لمفهوم الفطرة، حيث يراها الجانب العقلاني في الإنسان، وليست الغرائز أو الشهوات . فالفطرة تمثل القوانين الطبيعية والقيم الإنسانية، وهي الأنا العليا التي تمثل القانون الطبيعي، وهي مناقضة للجانب الحيواني الشهواني . فالإنسان مخلوق على طاعة الوالدين وعدم أكل أموال الناس بالباطل، ولا يحتاج إلى تقنين وضعي يجبره على الالتزام بها .
يرى شحرور أن الولاء للحاكمية الإلهية هو ولاء للقيم الإنسانية، ويتجسد من خلال احترام هذه القيم والتمسك بها والدفاع عنها من منطلق قناعة شخصية مبنية على الانقياد الطوعي . وهذا الولاء الديني الإنساني هو الرادع لكل من تسول له نفسه ممارسة الطغيان على الناس لسلبهم حرياتهم، وهو الذي يمكنه تحقيق السلام العالمي الذي يحث عليه الدين الإسلامي .
الدولة المدنية والأمة
يفرق شحرور بين مفهومي "الأمة" و"الدولة"، فالأمة في تصوره رابطة ثقافية أو دينية يمكن أن تجمع الناس عبر الزمان والمكان، بينما الدولة هي كيان سياسي ينظم الحياة العامة للمواطنين في إقليم محدد . ويرى أن الدولة المدنية لا يمكن أن تتحقق إلا إذا توفرت فيها الديمقراطية الليبرالية التي تتيح التنافس الحر بين مختلف التوجهات السياسية وتتيح مبدأ سيادة الشعب .
ويؤكد شحرور أن الدولة التي صنعها النبي قضى عليها معاوية والشافعي والأشعري والغزالي وابن عربي، في إشارة إلى تحول الخلافة الراشدة إلى ملك عضوض، وتحول الفقه إلى أداة في يد السلطة .
الجدل والانتقادات الموجهة للكتاب
أثار كتاب "الدين والسلطة" جدلاً واسعاً في الأوساط الفكرية والدينية، وتوزعت ردود الفعل بين مؤيد ومعارض بشدة . من جهة، يرى المؤيدون أن الكتاب من أهم ما كتب في معالجة مشكلة الحاكمية الإلهية وسوء الأداء لدى الحركات الإسلامية السياسية، وأنه يمكن البناء على أفكاره لخلق قوانين ودساتير مستقبلية تضمن الأداء السليم للدولة وتكفل حقوق المواطنين . ويرى بعض القراء أن الكتاب يزلزل القارئ فكرياً، ويكشف أن الكثير مما تلقيناه منذ 1400 عام كان مخالفاً للدين بصورته الحقيقية .
من جهة أخرى، ينتقد المعارضون بشدة أفكار شحرور، واتهمه البعض بالردة والزندقة، ووصفوا كتابه بأنه من أبشع الكتب لما فيه من مغالطات . ويرى هؤلاء أن شحرور يجهل أبجديات العلوم الدينية، واتهموه بأنه مجند لمن يريد تأويل القرآن بغير علم، وأشاروا إلى أن الرسول أمرنا بأن نمر على المنكر بسرعة، وهذا الكتاب مصيبة من مصائب شحرور .
كما اتهم بعض النقاد شحرور بتقديم تفسير سياسي عنيف للدين، وأنه يسقط شرعية الحكام المسلمين ويدعو إلى الثورة عليهم، ويفسر المفاهيم الدينية كالكفر بالطاغوت والبراءة من الشرك وأهله بمواجهة الحكام المستبدين . ويرى هؤلاء أن فكر شحرور ينزع إلى العنف، فالعنف -بلفظ شحرور- هو "الجهاد المسلح المبرر من أجل الحرية" .
خلاصة وتقييم
يعد كتاب "الدين والسلطة" محطة مهمة في مشروع محمد شحرور الفكري، حيث يطبق منهجه في القراءة المعاصرة على واحدة من أكثر القضايا إشكالية في الفكر الإسلامي: علاقة الدين بالسلطة. ويقدم الكتاب رؤية تجديدية لمفهوم الحاكمية، تسعى إلى تحرير النص القرآني من القراءات السياسية التي حولته إلى أداة في أيدي السلطة، وإلى تأكيد عالمية الإسلام وإنسانيته كرسالة رحمانية لا عقيدة طاغوتية .
ومع أن الكتاب يطرح أفكاراً جريئة تثير الجدل، مثل التمييز بين النبوة والرسالة، وتقسيم الحاكمية إلى ثلاثة مستويات، والدعوة إلى فصل الفقه عن السلطة التشريعية، فإنه يظل محاولة جادة لتجديد الخطاب الديني بما يواكب العصر ويحقق التوازن بين الثبات الديني والتغير الإنساني . وقد لخص شحرور رؤيته في أن الفقه الإسلامي جعل من الإسلام ديناً متجاوزاً تاريخياً، بينما قراءة التنزيل الحكيم بطرح معاصر تقبله العقول تعيد الفقه إلى مكانه الطبيعي، وتجرد الفقهاء من السلطة التي اكتسبوها .
يبقى كتاب "الدين والسلطة" وثيقة فكرية مهمة لفهم إشكاليات العلاقة بين الدين والسياسة في العصر الحديث، ويمثل إضافة نوعية لمشروع تجديد الفكر الإسلامي، رغم ما يثيره من جدل واختلاف حول صحة مقدماته ونتائجه.
0 تعليقات