ملخص كتاب القصص القرآني قراءة معاصرة محمد شحرور

القصص القراني

 

ملخص كتاب "القصص القرآني، قراءة معاصرة" لمحمد شحرور


 المشروع الفكري


محمد شحرور (1938-2019) مفكر سوري وباحث أكاديمي حاصل على دكتوراه في الهندسة المدنية من جامعة دبلن، بدأ رحلته في دراسة القرآن منذ عام 1970، ليصبح لاحقاً أحد أبرز وجوه "القراءة المعاصرة" للنص القرآني التي نادى بها منذ كتابه الشهير "الكتاب والقرآن: قراءة معاصرة" (1990). يُصنف شحرور ضمن تيار "القرآنيين" الذين يدعون إلى تجديد الخطاب الديني عبر تقديم قراءة عصرية للنص القرآني تتجاوز التراث الفقهي والتفسيري المتراكم، وتستند إلى منهجية جديدة تقوم على الاستعانة بالمعارف الإنسانية الحديثة في فهم النص الديني.


كتابه "القصص القرآني، قراءة معاصرة" هو مشروع طموح صدر في ستة أجزاء، نُشر الجزءان الأول والثاني منه عن دار الساقي عام 2010، ويهدف إلى تقديم رؤية جديدة لفهم قصص الأنبياء الواردة في القرآن، تخرج بها من دائرة السرد التاريخي التقليدي إلى آفاق إنسانية ومعرفية وفلسفية أوسع. وقد أثار هذا المشروع جدلاً واسعاً بين مؤيد ومعارض، ووصفه بعض النقاد بأنه يحمل أبعاداً استشراقية ويبتعد عن المنهج الإسلامي الأصيل في التعامل مع النص القرآني.


فلسفة القراءة المعاصرة للقصص القرآني


منهجية شحرور الأساسية


ينطلق شحرور في قراءته للقصص القرآني من عدة منطلقات منهجية ومعرفية تمثل جوهر مشروعه الفكري:


أولاً: القصص القرآني ليس تاريخاً بالمعنى الوضعي: يرى شحرور أن آيات القصص القرآني ليست من باب التأريخ للأحداث التاريخانية، بمعنى أنها لا تهدف إلى تسجيل الوقائع كما حدثت في زمن معين ومكان محدد، ولا الغاية منها التسلية أو إلهاب الخيال، بل هي بناء نظري نسقي متكامل لتفسير حركة التاريخ وقوانينه العامة المتحكمة في تقلباته وظواهره. فالقرآن لا يورد الظواهر كما وقعت لذاتها، بل يجرد منها ألقاباً رمزية معبرة عن ظواهر يمكن أن تتجدد في كل زمان ومكان.


ثانياً: تجريد القصص من إطار السرد التاريخي: يصر شحرور على ضرورة إخراج القصص القرآني من الإطار التاريخاني الضيق إلى إطاره الحقيقي بصفته يؤسس لسنن وقوانين تاريخية، أو أنه يضع المعالم الأولى لفلسفة التاريخ الإنساني. بناءً على ذلك، فإن الجهد المناسب ينصب على اقتفاء السنن والقوانين بوصفها المقصودة من إيراد القصص، لا على تحديد الأزمنة والأمكنة والأعداد والشخصيات التي تبقى من عالم الغيب بالنسبة لنا.


ثالثاً: الاستعانة بالمعارف الغربية المعاصرة: تؤسس القراءة المعاصرة للقصص القرآني - وفق رؤية شحرور- على ما تثبته نصوص الوحي من علامات وإشارات دالة، فضلاً عن الاهتداء بالعلوم والأنساق المعرفية الغربية المعاصرة في مجالات الأنثروبولوجيا والآثار والتاريخ، وذلك لجعل تناول القصص يتم وفق أفق إنساني وعالمي، لا مجرد تناول عربي أو إسلامي تقليدي.


أسس تحويل القصص من تاريخ إلى سنن


يعتمد شحرور في تحويل القصص القرآني من سرد تاريخي إلى منظومة سنن وقوانين على أسس عدة، منها:


التجريد والرمزية: يعتبر أن الشخصيات القرآنية مثل فرعون أو نمرود هي ألقاب رمزية لظواهر متكررة في التاريخ، وليست مجرد شخصيات تاريخية انقضت بانقضاء عصرها. فـ"الظاهرة الفرعونية" مثلاً هي نمط من أنماط الطغيان والاستكبار يمكن أن يتجدد في كل عصر، وبالتالي فإن العبرة ليست في تاريخ فرعون المصري بقدر ما هي في سنن الاستكبار والطغيان التي يمثلها.


التطور والتراكم المعرفي: يرى شحرور أن القصص القرآني يحمل مفهوم التطور والتراكم معاً، خصوصاً على مستوى وعي الإنسان، إذ حدثت تاريخياً قفزة نوعية مشهودة تمثلت في الانتقال مما هو مجسد/مشخص إلى ما هو مجرد/نظري. ولولا هذا الانتقال لما تحققت للإنسانية مظاهر التطور والزحزحات المعرفية والتشريعية والحضارية.


مقاصد سوق القصص: من أهم مقاصد سوق آيات القصص القرآني حسب شحرور أنها تساعد في إزالة "وهم الناسخ والمنسوخ" بين نصوص الوحي المنزل، وتقدم نموذجاً لفهم تطور الشرائع والأديان بشكل يثبت التدرج والتكامل لا التناقض والتعارض.


قراءة قصص الأنبياء في الجزء الثاني


يتناول الجزء الثاني من الكتاب قصص الأنبياء من نوح إلى يوسف عليهما السلام، ويركز على كيفية تطور علوم النبوة ومعارفها عبر العصور، وكيف اكتشف الإنسان النار ودفن الموتى، ثم كيف تعلم على يد نوح اجتياز الحواجز المائية، وعلى يد شعيب الوفاء بالكيل والميزان، وعلى يد يوسف ادخار محاصيل مواسم الخير لأيام القحط.


يقدم شحرور في هذا الجزء قراءة تركز على الجوانب الحضارية والإنسانية في قصص الأنبياء، بعيداً عن الجوانب الخارقة أو الغيبية التي شغلت التفاسير التقليدية. فهو يرى أن كل نبي جاء ليعلم البشرية علماً معيناً أو مهارة حضارية محددة، مما يشكل تراكماً معرفياً في مسيرة الإنسان على الأرض.


نظرية تطور الشرائع والشعائر


من أبرز ما يطرحه شحرور في الكتاب نظرية تطور الشرائع والشعائر عبر العصور، حيث يرى أن الشرائع تطورت من شرائع حدية (محدودة بالزمان والمكان) إلى شرائع حدودية (أكثر عمومية وشمولاً)، مع ميل واضح إلى التسهيل والتخفيف في التشريعات كلما تقدم الزمن.


تطور الصوم: يضرب شحرور مثالاً بتطور فريضة الصوم، حيث كان صوماً عن الكلام مطلقاً في بعض الشرائع السابقة، ثم تطور ليصبح صوماً عن الطعام والشراب وملامسة النساء واجتناب الكلام البذيء والفاحش، وهكذا نلحظ التطور في شكل العبادة ومضمونها مع تطور المجتمعات البشرية.


تطور الصلاة: وكذلك الصلاة التي كانت في بداياتها مجرد دعاء وذكر، ثم أخذت شكلاً شعائرياً متكاملاً من قيام وقعود وركوع وسجود يشترط فيها الخشوع، مما يعكس تطور الممارسة التعبدية في السياق التاريخي.


تصنيف القصص ومحتويات الأجزاء


وفقاً لما ورد في الكتاب، يتوزع مشروع القصص القرآني على ستة أجزاء، كل جزء يتناول محوراً معيناً:


الجزء الأول: مدخل إلى القصص وقصة آدم - وفيه مقدمة نظرية عن فلسفة القصص القرآني ومنهجية قراءته، ثم تطبيق ذلك على قصة آدم كنموذج أول لفهم التاريخ الإنساني[v].


الجزء الثاني: الوحي وتأسيس المجتمع - ويتناول قصص الأنبياء من نوح إلى يوسف، مركزاً على كيفية تأسيس المجتمعات البشرية وتطورها من خلال الوحي والإرشاد الإلهي.


الجزء الثالث: الحنيفية الإبراهيمية والبيت الإنساني - ويتناول قصة إبراهيم وبناء الكعبة وإرساء مبادئ التوحيد في شبه الجزيرة العربية.


الجزء الرابع: بنو إسرائيل - ويتناول تاريخ بني إسرائيل في القرآن، ونماذج من علاقتهم بالأنبياء والرسالات.


الجزء الخامس: المسيح عيسى بن مريم - ويتناول قصة المسيح وعيسى عليه السلام في القرآن، ومنزلته في الإسلام.


الجزء السادس: القصص المحمدي - ويتناول أحداث السيرة النبوية في القرآن، مثل غزوات بدر وأحد والخندق، التي يعدها شحرور نصوصاً تاريخية لا تؤخذ منها أحكام شرعية، ولا علاقة لها بمضمون الرسالة إلا من حيث ورودها لتصديق فحوى الرسالة.


النقد الموجه للكتاب


واجه كتاب شحرور نقداً علمياً ومنهجياً واسعاً من قبل الباحثين والمؤسسات الإسلامية، ويمكن حصر أهم الاعتراضات في النقاط التالية:


١. البعد الاستشراقي في المنهج: يرى النقاد أن شحرور سار على نهج المستشرقين في دراساتهم عن الإسلام والإسلام، متوسلاً المنهج التاريخاني الذي يعتمدون عليه، وهادفاً من وراء ذلك إلى الترويج لتأويلات لا مرجع لها وتفسيرات لا أصل لها، واصفين إياه بأنه أحد المتشدقين الذين اتخذوا القراءة المعاصرة للنص القرآني بديلاً عن النصوص الشرعية، محرفين الكلم عن مواضعه.


٢. تجريد القصص من قدسيته: ينتقد الباحثون محاولة شحرور تجريد النص القرآني من قدسيته، خاصة فيما يتعلق بالقصص التي يصفها القرآن بأنها من أنباء الغيب التي لا يعلمها إلا الله. فالقول بأن القصص ليست تاريخاً بل سنناً وقوانين، ونفي الجانب الخارق والمعجزات، هو نوع من التفريط في حقيقة النص القرآني الذي يؤكد وقوع هذه الأحداث فعلاً.


٣. الافتيات على التفسير المأثور: يتهم النقاد شحرور بالافتيات على المنهج التفسيري المعتمد لدى المسلمين، والمتمثل في تفسير القرآن بالقرآن ثم بالسنة ثم بأقوال الصحابة والتابعين، واستبدال ذلك بمنهج يقوم على الاستعانة بالعلوم الغربية والأنثروبولوجيا، مما يعد تأسيساً لشرع في الدين لم يأذن به الله.


٤. إسقاط نظرية التطور على الشرائع: يرفض النقاد نظرية التطور التي يطرحها شحرور في فهم الشرائع والشعائر، معتبرين أن الأحكام الشرعية في الإسلام كاملة ومتكاملة، وإن كانت تختلف عن شرائع من سبقنا فذلك لحكمة إلهية لا لتطور فهم البشرية، إذ كان يمكن أن يشرع الله الأحكام كاملة منذ البداية، لكنه سبحانه أنزل الشرائع تدريجياً لمراعاة قدرة المخاطبين على التلقي في كل مرحلة، وليس لتطور الوعي البشري كما يزعم شحرور.


٥. التخبط في تعريف الإيمان والنبوة: تنتقد الدراسات ما يراه شحرور من أن معجزة الوحي المنزل على الرسول تتحدد في كونها أرست معالم "التجريد" الذي كان السبب في البناء النسقي المعرفي والعلمي والحضاري، فكأنه يختزل النبوة في جانبها المعرفي والحضاري فحسب، متجاهلاً الجانب الغيبي والروحي والأخلاقي فيها.


خلاصة وتقييم عام


يعد كتاب "القصص القرآني، قراءة معاصرة" لمحمد شحرور واحداً من أبرز المشاريع الفكرية في العصر الحديث التي حاولت تقديم قراءة جديدة للنص القرآني، تقوم على منهجية تحاول المزج بين النص المقدس والمعارف الإنسانية المعاصرة، مع التركيز على استخراج السنن والقوانين العامة من القصص القرآني بدلاً من البحث في تفاصيل الوقائع والأحداث.


الكتاب حقق حضوراً واسعاً في الأوساط الثقافية والفكرية العربية، وأثار جدلاً كبيراً بين مؤيد ومعارض، ويمثل نموذجاً عن محاولات الحداثة الإسلامية نقد الموروث التفسيري واستبداله بمناهج تستعين بالعلوم الإنسانية الحديثة، كما يعد تطبيقاً عملياً لمشروع شحرور في "القراءة المعاصرة" الذي بدأه بكتابه "الكتاب والقرآن".


لكن الكتاب لم يسلم من النقد الحاد، خاصة من قبل المؤسسات الدينية التقليدية والمفسرين الذين رأوا فيه تجاوزاً لحدود التعامل مع النص القرآني، وتفريطاً في تاريخية القصص القرآنية وقداستها، وتعويلاً مفرطاً على مناهج غربية قد تكون متعارضة مع روح النص الديني وطبيعته المتعالية على الزمان والمكان.


يبقى الكتاب مساهمة جادة في فكر الإصلاح الديني المعاصر، تعكس إشكاليات العصر في التوفيق بين ثوابت النص الديني ومتغيرات المعرفة البشرية، وتقدم نموذجاً للاجتهاد المعاصر الذي يحاول مواكبة تحولات العصر مع الاحتفاظ بصلته بالمنبع الأول للوحي.




إرسال تعليق

0 تعليقات