ثلاثية غرناطة لرضوي عاشور
تُعد "ثلاثية غرناطة" (المكونة من: غرناطة - مريم والرحيل - الرحيل) للروائية والمفكرة المصرية رضوي عاشور، واحدة من أبرز الأعمال الروائية في الأدب العربي الحديث.
لا تكتفي الثلاثية بسرد حكاية سقوط آخر معاقل المسلمين في الأندلس، ممثلة في مدينة غرناطة عام 1492م، بل تغوص عميقًا في أعماق النفس الإنسانية لترسم مأساة شعب بأكمله، مأساة الانهيار من الداخل والضياع والتهجير والبحث عن الهوية في عالم مضطرب.
تبدأ الرواية من لحظة الانهيار الأخير، ولكن ليس الانهيار العسكري فحسب، بل الانهيار الأخلاقي والاجتماعي والسياسي الذي مهد الطريق لهذه النهاية المحتومة.
تختار عاشور عائلة واحدة، عائلة أبو جعفر الوراق، لتمثل بها مصير أمة بأكملها، فتصبح مصير هذه العائلة وتفاصيل حياتها اليومية هو مرآة تعكس منها القارئ الكارثة الكبرى.
الجزء الأول: غرناطة
يغطي هذا الجزء الفترة التي تسبق سقوط المدينة مباشرة، حيث يكون الضعف قد استشرى في جسد مملكة غرناطة. نتعرف من خلاله على الشخصيات المحورية للثلاثية:
أبو جعفر الوراق: رب الأسرة، الرجل العالم، صاحب الحكمة والوقار، الذي يمثل الضمير الحي والذاكرة الجمعية للأمة. يحاول جاهدًا الحفاظ على كرامة أسرته وقيمها في وجه الانهيار، ويكتب يومياته التي توثق هذه اللحظات التاريخية الفارقة.
مريم: الحفيدة الصغيرة لأبي جعفر، وهي المحور العاطفي والمركزي للرواية. نرى الأحداث غالبًا من خلال عينيها الطفولية التي تكتشف العالم تدريجيًا لترى أنه عالم قاسٍ ومليء بالمخاطر. تمثل مريم البراءة والأمل والجيل الذي سيرث جراح الماضي.
الحسن وزوجته: والدا مريم، يمثلان جيلًا يعاني من التردي والضعف. الحسن ليس بقوة أبيه، وهو أكثر انكفاءً على ذاته وهمومه.
علي: الشاب الثائر، المغامر، الذي يرفض الاستسلام ويسعى للمقاومة بشتى الطرق، حتى لو بدت يائسة. يمثل صوت الفعل والرفض، لكن في ظل ظروف مستحيلة.
سليمة: الجارة المسيحية التي تعيش في الحي نفسه، وتربطها علاقة صداقة مع الأسرة، مما يضيف بعدًا إنسانيًا معقدًا للصراع، ويظهر أن الخطوط الفاصلة بين الناس ليست دائمًا دينية بحتة، بل هي سياسية وطبقية في كثير من الأحيان.
يصور هذا الجزء حياة المسلمين في غرناطة تحت حكم الملكين عبد الله الصغير وبوعبديل، حكام ضعفاء يتصارعون على السلطة بينما الجيش القشتالي يطوق المدينة.
نرى الخيانات الداخلية، وجشع بعض النخب المتعاونة مع المحتل، ومعاناة العامة من الجوع والخوف. المشهد الأبرز هو مشهد توقيع معاهدة التسليم، حيث يسلم أبو عبديل مفاتيح المدينة للملكين الكاثوليكيين فرديناند وإيزابيلا، بينما تعلو صرخة أمه التاريخية: "ابك مثل النساء ملكًا مضاعًا لم تحافظ عليه مثل الرجال!".
الجزء الثاني: مريم والرحيل
يركز هذا الجزء على العواقب المباشرة للسقوط. تبدأ شروط المعاهدة التي وعدت المسلمين بحرية الدين والعبادة في الانتكاس واحدة تلو الأخرى. يتحول الوجود الإسلامي إلى جحيم:
التهجير الداخلي: يُجبر المسلمون على ترك أحيائهم والانتقال إلى أحياء فقيرة ومزدحمة.
الاضطهاد الديني: يبدأ محاكم التفتيش (الإنكويزيسيون) في ممارسة أعمالها الوحشية، مجبرة المسلمين على اعتناق المسيحية، مُلغية بذلك بنود المعاهدة. نرى عمليات التعذيب والحرق العلني للمتمسكين بدينهم.
انهيار النسيج الاجتماعي: تتفكك عائلة أبي جعفر تحت وطأة الضغوط. يموت أبو جعفر حزنًا وكمدًا على ما حدث، حاملاً معه ذاكرة عصر كامل. يُقتل علي في إحدى محاولات المقاومة اليائسة. يُجبر الحسن على التنصريًا (يُصبح "موريسكيًّا" - المسلمة الجديد) هو وأسرته للنجاة بحياتهم، لكن هذه الخطوة تفتت كيانه وتزرع بداخله صراعًا مريرًا.
تتحول مريم من طفلة بريئة إلى شابة تعيش مأساة هوية مزدوجة: هي مسلمة في الداخل، لكنها مضطرة لأن تظهر كمسيحية في العلن.
هذا الانقسام يمثل الجرح الأساسي للوجود الإسلامي في إسبانيا بعد السقوط. الرحيل هنا ليس مجرد رحيل جغرافي، بل هو رحيل عن الذات، عن الهوية، عن الكرامة.
الجزء الثالث: الرحيل
يصل الاضطهاد إلى ذروته، وتصبح حياة "الموريسكيين" مستحيلة. يصدر مرسوم طرد نهائي لجميع المسلمين من إسبانيا. هنا، تواجه الأسرة الممزقة أصعب قرار: البقاء والموت، أو الرحيل إلى عالم مجهول.
الخيارات المستحيلة: البعض يختار البقاء متخليًا عن دينه بشكل كامل، والبعض الآخر يختار الرحيل. الحسن، الذي أنهكه الصراع، يقرر البقاء. لكن مريم، التي ورثت قوة جديها وإصرار عمها علي، ترفض هذه الحياة المزيفة. هي لم تعد تلك الطفلة، بل أصبحت امرأة تدرك معنى الكرامة والهوية.
قرار مريم: تقرر مريم الرحيل، حاملة معها مخطوطات جدها (أبي جعفر) التي دون فيها تاريخ الغروب. هذه المخطوطات ترمز إلى حمل الأمانة، ونقل الذاكرة والتراث من جيل الانهيار إلى جيل النهضة المحتمل.
العبور إلى المغرب: تنطلق مريم في رحلة محفوفة بالمخاطر عبر البحر إلى شواطئ المغرب العربي، حاملةً أملًا جديدًا. إنها لا تهرب فقط، بل تهاجر نحو مستقبل تحاول فيه إعادة بناء ما تم تدميره.
مشهد الرحيل الأخير مؤثر جدًا، حيث تنظر مريم من السفينة إلى شواطئ الأندلس (إسبانيا) التي تبتعد عنها إلى الأبد، وهي تحمل في قلبها جرح الفقدان، ولكن أيضًا بذرة الأمل.
إنها لا تترك وراءها فقط أرضًا، بل تترك جزءًا من روحها، وتاريخ عائلتها، ومقابر أحبائها.
الأبعاد والرموز في الثلاثية:
البعد الإنساني فوق الأيديولوجي: رضوي عاشور لا تكتب رواية تبشيرية أو تحريضية. هي تقدم الإنسان في لحظة الانهيار: خوفه، جبنه، شجاعته، خيانته، تضحيته. الشخصيات ليست ملائكة ولا شياطين، بل بشر بعيوبهم ونقائصهم. حتى المحتل لا يتم تقديمه ككيان شرير مجرد، بل من خلال أفعاله وممارساته القمعية.
المرأة كحاملة للذاكرة والرواية: مريم هي القلب النابض للعمل. من خلالها نعيش التجربة. اختيار امرأة لتحمل أمانة الذاكرة (مخطوطات الجد) رمز قوي، يشير إلى دور المرأة كحارسة للهوية (الثقافة) وناقلة لها عبر الأجيال، خاصة في فترات المحن.
الهوية والانتماء: الثلاثية هي دراسة عميقة لأزمة الهوية. ماذا يعني أن تفقد أرضك؟ ماذا يعني أن تضطر لإخفاء معتقدك؟ كيف تحافظ على هويتك عندما تكون كل الظروف ضدك؟ هذه الأسئلة تتردد صداها بقوة في واقعنا المعاصر.
الانهيار من الداخل: تؤكد الرواية أن سقوط غرناطة لم يكن بسبب قوة العدو فحسب، بل بسبب الضعف الداخلي: التصارع على السلطة، انهيار القيم، جشع النخب، وغياب المشروع الجماعي الموحد. وهو درس تاريخي بالغ الأهمية.
اللغة والأسلوب: . عاشور تستخدم لغة شعرية بليغة، ولكنها أيضًا تستخدم اللغة اليومية للشخصيات لتعطي إحساسًا بالواقعية. الوصف دقيق وغني، يجعل القارئ يرى، يسمع، ويشعر بغرناطة: أزقتها، بيوتها، روائحها، وخوفها.
تراجيديا التاريخ وأمل المستقبل
"ثلاثية غرناطة" هي تراجيديا عظيمة، ترثي ليس فقط فقدان الجنة، ولكن فقدان الإنسانية في لحظات الغزو والاضطهاد. ومع ذلك، فهي ليست عملًا متشائمًا. إن وجود شخصية مثل مريم، التي تختار المقاومة بطريقتها (المقاومة بالذاكرة والرحيل لتبقى حرة)، يزرع بذرة الأمل.
الرواية ليست مجرد سرد لأحداث تاريخية انتهت، بل هي مرآة تعكس منها قضايا الأمة العربية والإسلامية اليوم: قضايا التجزئة، والضعف الداخلي، والهوية، والمواجهة مع الآخر، والصراع من أجل الحرية والكرامة.
رضوي عاشور تقدم من خلال هذه التحفة الأدبية درسًا تاريخيًا عميقًا: أن سقوط الحضارات يبدأ من الداخل، وأن إنقاذها يبدأ بالذاكرة، وبالإرادة، وبالأمل الذي تحمله الأجيال الجديدة
ممثلة في "مريم" التي تعبر البحر نحو ضفة أخرى، تحمل في قلبها جرح غرناطة، وفي يدها بذرة مستقبلها

0 تعليقات