![]() |
كتاب "Good to Great: Why Some Companies Make the Leap... and Others Don't" ل جيم كولينز ، والذي يلخص سنوات من البحث الميداني حول سر تحول الشركات من الجيدة إلى العظيمة واستمرارها في العظمة لعقود.
البحث العلمي عن العظمة
بدلاً من الاعتماد على النظريات أو الآراء الشائعة، قام Jim Collins وفريقه البحثي بعملية فحص منهجي استمرت 5 سنوات لـ 1,435 شركة ظهرت في قائمة Fortune 500 على مدى 40 عاماً. وكان السؤال المحوري: هل يمكن لشركة جيدة أن تصبح عظيمة، وكيف؟
لتحديد "العظمة" بشكل موضوعي، وضع الفريق معايير صارمة، حيث ركز على الشركات التي حققت تحولاً واضحاً من أداء مالي عادي أو أقل من متوسط السوق لمدة 15 عاماً، إلى أداء يفوق متوسط السوق بثلاث مرات على الأقل لمدة 15 عاماً أخرى متتالية. وبعد هذا الغربلة الدقيقة، ظهرت 11 شركة فقط استحقت لقب "من الجيدة إلى العظيمة"، مثل Walgreens و Kimberly-Clark و Kroger و Nucor. ثم قورنت هذه الشركات الناجحة بمجموعتين أخريين: شركات في نفس الصناعة لم تحقق القفزة، وشركات حققت تحسناً مؤقتاً لكنها لم تستمر.
ما الفرق بين الشركة الجيدة والعظيمة؟
يوضح الجدول التالي الفروق الجوهرية في السلوك والتفكير بين الشركات التي بقيت "جيدة" وتلك التي تحولت إلى "عظيمة"، بناءً على استنتاجات الدراسة:
المبادئ السبعة للقفزة من الجيدة إلى العظيمة
١. قيادة المستوى الخامس (Level 5 Leadership)
ربما كان هذا هو الاكتشاف الأكثر مفاجأة في الدراسة. توقع الباحثون أن الشركات العظيمة يقودها أشخاص جذابون وكاريزماتيون يبحثون عن الأضواء. لكن الواقع كان عكس ذلك. قادة الشركات العظيمة يجمعون بين سمتين تبدوان متعارضتين:
التواضع الشخصي العميق: فهم هادئون، متحفظون، بل حتى خجولون أحياناً. لا يسعون للمديح، ويُعزون النجاح للفريق أو الحظ، ويتحملون المسؤولية عند الفشل.
الإرادة المهنية الحازمة (العنيدة): لديهم تصميم لا يتزعزع على فعل أي شيء ضروري لتحقيق عظمة الشركة على المدى الطويل. هم مستعدون لاتخاذ قرارات صعبة وغير شعبية من أجل المصلحة العامة.
مثال: داروين سميث، الرئيس التنفيذي لشركة Kimberly-Clark، الذي قاد تحولها من مصنع ورقي متواضع إلى منافس عالمي قوي لـ Procter & Gamble في منتجات مثل Huggies و Kleenex. كان سميث شخصاً متواضعاً للغاية، لكنه اتخذ قراراً جريئاً ببيع جميع مصانع الشركة التقليدية والاستثمار بالكامل في سوق سلع الاستهلاكية، وهو ما قاد إلى عظمتها.
٢. أولاً الأشخاص المناسبون، ثم الاتجاه الصحيح (First Who, Then What)
هذا المبدأ يقلب المنطق الاستراتيجي التقليدي رأساً على عقب. معظم الشركات تبدأ بـ "ماذا": ما هو رؤيتنا؟ ما هي استراتيجيتنا؟ ثم تحاول جذب أو "تحفيز" الأشخاص لتنفيذ هذه الخطة.
الشركات العظيمة تبدأ بـ "من": من هم الأشخاص المناسبون؟ يقوم قادة المستوى الخامس أولاً وبشكل صارم "بوضع الأشخاص المناسبين في الحافلة (الشركة)، وإخراج غير المناسبين منها، ثم تحديد المقاعد المناسبة لكل منهم". بعد ذلك فقط يحددون إلى أين ستسير الحافلة.
المنطق وراء ذلك:
إذا كان لديك الأشخاص المناسبون (المتحمسون ذاتياً، الأذكياء، المنضبطون)، فمشكلة التحفيز والإدارة تختفي تقريباً.
مع الأشخاص المناسبين، تصبح مشكلة الاتجاه الصحيح أسهل بكثير، لأنهم سيساعدون في إيجاد أفضل طريق بإبداع والتزام.
إذا كان لديك الأشخاص الخطأ، فلن تنفعك أفضل استراتيجية في العالم. ستضيع طاقتك في إدارة الأشخاص بدلاً من قيادة السوق.
٣. مواجهة الوقائع القاسية (مع عدم فقدان الإيمان أبداً) – مفارقة ستوكديل
سميت هذه الفكرة على اسم الأدميرال جيمس ستوكديل، أسير الحرب في فيتنام الذي نجا من ثماني سنوات من الأسر والتعذيب. عندما سأله Collins عن من لم ينجوا من الأسر، أجاب ستوكديل: "المتفائلون". أولئك الذين قالوا "سنخرج بحلول عيد الميلاد"، وعندما مر عيد الميلاد، قالوا "سنخرج بحلول عيد الفصح"... وهكذا حتى ماتوا من قلب محطم. أما ستوكديل، فقد نجح لأنه واجه الحقيقة القاسية كل يوم ("سأكون أسيراً لوقت طويل، وقد أتعرض للتعذيب")، لكنه حافظ في نفس الوقت على إيمان لا يتزعزع بأنه سينجو في النهاية ويصبح هذه التجربة الحدث المميز في حياته.
الشركات العظيمة تطبق "مفارقة ستوكديل":
من ناحية: تواجه الحقائق الأكثر قسوة لواقعها بلا تزييف أو هروب. تخلق ثقافة حيث يمكن قول الحقيقة دون خوف، من خلال قيادة بالأسئلة وليس الأجوبة، ومن خلال النقاش الصريح وليس الإكراه.
من ناحية أخرى: لا تفقد أبداً الإيمان بأنها ستنتصر في النهاية وتصبح شركة عظيمة.
مثال: شركة كروجر مقابل A&P. واجهت كلتا شركتي البقالة نفس الحقيقة القاسية في السبعينيات: نموذج متاجر الجوار الصغيرة أصبح قديماً، والمستقبل للمتاجر الكبيرة (السوبرماركت). A&P أنكرت هذه الحقيقة وأغلقت متجرها التجريبي الجديد لأنه تحدى معتقداتها القديمة. بينما كروجر واجهت الحقيقة بشجاعة وعملت بلا كلل على استبدال جميع متاجرها القديمة بمتاجر كبيرة حديثة، لتصبح في النهاية سلسلة البقالة الأولى في أمريكا.
٤. مفهوم القنفذ (The Hedgehog Concept)
مستوحى من مقالة لإشعياء برلين تقسم العالم إلى "ثعالب" و"قنافذ". الثعلب ماكر وسريع ويفكر في استراتيجيات معقدة متعددة للهجوم. القنفذ بطيء ويعرف شيء واحد كبير وبسيط: كيف يتدحرج ليشكل كرة شوكية لا يستطيع أي مفترس اختراقها. في كل مواجهة، يفوز القنفذ.
الشركات العظيمة هي قنافذ. إنها تبسط عالمها المعقد إلى مفهوم واحد عميق يوجه جميع قراراتها. هذا المفهوم ليس مجرد هدف أو استراتيجية، بل هو فهم عميق ينشأ من الإجابة على ثلاثة أسئلة تشكل ثلاث دوائر متقاطعة:
في ماذا يمكننا أن نكون الأفضل في العالم؟ (وليس "في ماذا نريد أن نكون الأفضل"). هذا يتعلق بالقدرات الحقيقية والتميز المستدام.
ما الذي يشعل شغفنا العميق؟ ما الذي نهتم به بشدة بحيث سنكرس له طاقتنا لسنوات؟
ما هو محركنا الاقتصادي الأساسي؟ ما هو المقياس الوحيد (مثل: الربح لكل عميل، الربح لكل منطقة، إلخ) الذي يحفز نموذجنا الاقتصادي؟
النقطة التي تتقاطع فيها هذه الدوائر الثلاث هي مفهوم القنفذ الخاص بالشركة.
مثال: وولغرينز. تحولت من شركة أدوية عادية إلى شركة عظيمة عندما اكتشفت مفهوم قنفذها: أن تكون الصيدلية الأكثر ملاءمة وسهولة في الوصول إليها، مع تحقيق ربح عالٍ من كل زيارة عميل. لم يكن هدفهم أن يكونوا الأكبر أو الأكثر تطوراً تقنياً، بل الأكثر ملاءمة. هذا المفهوحدة القياسية وجه كل قرار: موقع المتاجر، تصميمها، الخدمات المقدمة، وحتى تجاهلهم الأولي للتجارة الإلكترونية عندما رأوا أنها لا تخدم هدف "الملاءمة" بالشكل الأمثل آنذاك.
٥. ثقافة الانضباط (A Culture of Discipline)
هذا المبدأ لا يعني وجود قائد مستبد يفرض الانضباط، ولا يعني بيروقراطية صارمة من القواعد واللوائح. ثقافة الانضباط تنشأ عندما تجتمع أشخاص منضبطون ذاتياً في إطار واضح، ولكن مرن.
أشخاص منضبطون: هم الأشخاص المناسبون الذين لا يحتاجون إلى إدارة صارمة، بل يتصرفون بمسؤولية التزاماً منهم.
فكر منضبط: التمسك بمفهوم القنفذ ومواجهة الوقائع القاسية.
عمل منضبط: الالتزام بنظام عمل ثابت والاستمرار في الدفع في الاتجاه الصحيح، ورفض الانحراف وراء كل فرصة عابرة.
عندما تجتمع ثقافة الانضباط مع أخلاقيات ريادة الأعمال، تحصل على "الخيمياء السحرية" للأداء العظيم: حرية الابتكار والتجربة داخل الحدود الواضحة للمفهوم الأساسي.
٦. مُسرعات التكنولوجيا (Technology Accelerators)
الشركات العظيمة لا تراهن على التكنولوجيا لخلق تحولها من العدم. فهم ينظرون إلى التكنولوجيا على أنها أداة مسرعة للزخم الموجود بالفعل. السؤال الحاسم الذي يطرحونه هو: "هل هذه التكنولوجيا تتوافق مع مفهوم القنفذ الخاص بنا؟ إذا كان الجواب نعم، كيف يمكننا أن نكون رواداً في تطبيقها؟ وإذا كان لا، فنحن نتجاهلها ببساطة حتى لو كانت موضة سائدة".
مثال: عندما ظهرت تقنيات سلسلة التوريد المتطورة والأنظمة الآلية، تبنتها شركة Nucor (الصلب) بشكل رائد لأنها عززت مفهوم قنفذها الخاص بكونها الأكثر كفاءة وتكلفة منخفضة في إنتاج الصلب. بينما شركات مقارنة أخرى تبنت التقنية لأنها كانت "حديثة" دون ربطها بفهم أساسي لتميزها.
٧. دولاب الموازنة، وليس حلقة التدهور (The Flywheel and the Doom Loop)
هذا المبدأ يشرح كيفية حدوث التحول عملياً. الناس من الخارج ينظرون إلى التحول العظيم على أنه "لحظة معجزة" مفاجئة (كأن تفقس بيضة ويخرج منها دجاج كامل فجأة). لكن من الداخل، كان التحول يشبه دفع دولاب موازنة ضخم وثقيل.
في البداية: تحتاج لجهد كبير لتحريكه حتى يدورة واحدة بطيئة.
باستمرار الدفع في نفس الاتجاه: تدور الدورات الثانية والثالثة، ويزداد الزخم تدريجياً.
نقطة الاختراق: بعد مئات الدفعات المتسقة، يكتسب الدولاب زخماً ذاتياً هائلاً، وتصبح كل دورة جديدة أسرع وأسهل من سابقتها، حتى يبدو التحول للخارج وكأنه حدث فجائي.
كل المبادئ السابقة (الأشخاص المناسبون، القنفذ، الانضباط...) هي دفعات متراكمة على هذا الدولاب. لا توجد خطوة واحدة دراماتيكية. التحول في Walgreens استغرق سنوات، وعندما سُئل أحد قادتها عن توقيت حدوثه، قال: "في وقت ما بين 1971 و 1980".
أما الشركات الفاشلة، فتقبع في "حلقة التدهور": تبدأ ببرنامج تحول دراماتيكي وفاشل (دفعة عنيفة في اتجاه جديد)، مما يؤدي إلى نتائج مخيبة للآمال، فيقومون برد فعل بتغيير القيادة أو الاستراتيجية (دفعة عنيفة في اتجاه معاكس)، وهكذا يدورون في حلقة مفرغة من البدء والتوقف دون بناء أي زخم حقيقي.
العظمة قرار واعي
الدرس الأكبر من "Good to Great" هو أن العظمة ليست نتيجة للحظ أو الظروف. إنها في الأساس مسألة اختيار واعٍ وممارسة منهجية للانضباط. لا تحتاج إلى أن تكون في صناعة "مثيرة"، ولا تحتاج إلى قائد كاريزمي يصل كـ"منقذ"، ولا تحتاج إلى تقنية ثورية.
الطريق إلى العظمة يبدأ بالتواضع لمواجهة الحقيقة، والإرادة لاتخاذ قرارات صعبة بشأن الأشخاص، والشجاعة للتركيز بشكل عميق على ما تفعله بشكل أفضل، والانضباط للاستمرار في الدفع في الاتجاه الصحيح يومًا بعد يوم، وزيادة بعد زياده.

0 تعليقات