الاقتصاد الكامبريدي في مرحلة ما بعد الكينزية

 
الاقتصاد الكامبريدي في مرحلة ما بعد الكينزية

الاقتصاد الكامبريدي في مرحلة ما بعد الكينزية: غروب التقاليد غير التقليدية (المغايرة)

المؤلف: أشواني سايث (Ashwani Saith)
اللغة الأصلية: الإنجليزية
سنة النشر: 2023 (منشورات بالجريف ماكميلان)

مقدمة: الأطروحة المركزية للكتاب

يروي كتاب أشواني سايث قصة مأساوية وفاجعة عن التحول الجذري الذي شهده قسم الاقتصاد في جامعة كامبريدج، أحد أعرق وأهم مراكز الفكر الاقتصادي في العالم، من معقل للفكر النقدي المغاير والمتنوع (Heterodox Economics) والمتمحور حول التقليد الكينزي الأصيل، إلى قلعة محصنة للفكر السائد والأرثوذكسي النيوليبرالي (Neoclassical Orthodoxy)

. لا يكتفي سايث بسرد تاريخي جاف، بل يحفر بعمق في الجذور الاجتماعية والفلسفية والسياسية والتنظيمية لهذا "الغروب" أو "الكسوف" الذي طال التقاليد المغايرة، مُصورًا إياه ليس كنتيجة حتمية للتطور الفكري، بل كنتيجة لصراع قوى (Power Struggle) مُخطط له بعناية، وهيمنة أيديولوجية، وتغيير مؤسسي مُتعمد.

الكتاب هو تشريح لـ "جريمة فكرية" وُصفت على أنها "انقلاب صامت" على تراث كامبريدج الذي أسسه وساهم فيه عمالقة مثل جون ماينارد كينز، وبيرو سرافا، ونيكولاس كالدور، وجوان روبنسون، وميشال كالييكي.

الفصل الأول: عصر الذهب - كامبريدج كقلعة للفكر المغاير

يبدأ سايث بتأسيس المشهد، مُستعرضًا الفترة الذهبية لقسم الاقتصاد في كامبريدج (من أربعينيات إلى أواخر سبعينيات القرن العشرين). كانت كامبريدج آنذاك:

  • مركز الثورة الكينزية: حيث طور كينز نظريته التي هزت أسس الاقتصاد الكلاسيكي وقدمت أدوات لفهم الكساد الكبير والبطالة.

  • موئل التقليد الكينزي "ما بعد الكينزية" (Post-Keynesian): حيث وسع اقتصاديون مثل جوان روبنسون ونيكولاس كالدور أفكار كينز لتركز على عدم اليقين، والتاريخ، وقوة السوق، ودور المؤسسات، وعدم المساواة في توزيع الدخل.

  • منزل نظرية السلع الأساسية لبيرو سرافا (Sraffian Economics): التي قدمت نقدًا مدمرًا لنظرية القيمة والتحليل الهامشي الكلاسيكي الجديد، معيدة إحياء التقليد الكلاسيكي (ريكاردو وماركس).

  • بيئة للتنوع والجدال: كان التعايش والصراع الفكري بين التيارات المختلفة (الكينزية، السرافية، الماركسية، المؤسسية) هو مصدر قوة القسم، حيث كان النقاش حول الأسس الفلسفية والنمذجة والمنهجية هو السائد.

الفصل الثاني: بذور التآكل - العوامل الداخلية والخارجية للتحول

يحلل سايث هنا العوامل التي مهدت للتحول، منقسمة إلى داخلية وخارجية:

  • العوامل الخارجية:

    • صعود التيار المحافظ/النيوليبرالي: مع وصول تاتشر في بريطانيا وريجان في الولايات المتحدة، تمت مهاجمة الفكر الكينزي ووصفه بأنه "جزء من المشكلة وليس الحل". تم ترويج النموذج الكلاسيكي الجديد القائم على كفاءة الأسواق والعقلانية وتحريرها.

    • الضغوط المالية على الجامعات: أدت سياسات التقشف إلى خفض التمويل، مما دفع الجامعات إلى البحث عن تمويل خارجي من مؤسسات وشركات غالبًا ما تفضل البحث "التقني" وغير النقدي.

    • عولمة سوق الأكاديميا: أصبحت المعايير الأمريكية (مثل التصنيفات، ومجلات Q1 التي تهيمن عليها النزعة الكمية والرياضية الصرفة) هي المقياس العالمي للتميز، مما هدد النماذج التأملية والتاريخية والنقدية.

  • العوامل الداخلية:

    • غياب القيادة الفكرية الموحدة: بعد وفاة أو تقاعد عمالقة ما بعد الكينزية، لم يظهر جيل جديد قادر على توحيد الصفوف والدفاع عن المشروع الفكري بشكل استراتيجي.

    • الانقسامات الداخلية: كان هناك انشقاق أحيانًا بين التيار السرافي والتيار الكينزي، مما أضعف موقفهم الجماعي في مواجهة العدو المشترك.

    • فشل في تجديد الدماء: إخفاق نسبي في تدريب وتوظيف جيل جديد من الاقتصاديين المغايرين الذين يمكنهم المنافسة تقنيًا مع النماذج الرياضية المعقدة للاقتصاد السائد.

الفصل الثالث: الانقلاب الصامت - استراتيجية الهيمنة والتغيير المؤسسي

هذا هو قلب الكتاب، حيث يوثق سايث بالتفصيل كيف تمت عملية التحول، والتي يرفض وصفها بأنها "تطور طبيعي":

  1. التوظيف الاستراتيجي: بدأ التيار السائد (بقيادة أشخاص مثل فرانك هان، وآخرين) في توظيف اقتصاديين شباب ممن تلقوا تدريبًا في النمذجة الكلاسيكية الجديدة والاقتصاد القياسي المتقدم، مع إهمال متعمد لتوظيف ممثلين عن الفكر المغاير.

  2. احتلال المراكز القيادية: من خلال السيطرة على لجان التعيينات والترقيات، تم تغيير معايير التقييم لتفضيل النشر في المجلات "الراقية" (أي المجلات السائدة) وتقليل قيمة الكتب والمساهمات النقدية النظرية العميقة.

  3. إعادة هيكلة المناهج: تم إلغاء المساقات التي تدرس تاريخ الفكر الاقتصادي، والمناهج البديلة (ما بعد الكينزية، السرافية، الماركسية)، واستبدالها بمناهج تركز على النمذجة الرياضية المجردة، والاقتصاد القياسي، والنظرية الكلاسيكية الجديدة المتقدمة. تم طمس التاريخ الفكري للقسم.

  4. تغيير ثقافة القسم: تحولت الثقافة من ثقافة التسامح مع النقاش الفلسفي والجدال حول الأسس، إلى ثقافة تقنية ترى في الاقتصاد "علم" محايد شبيه بالفيزياء، يتعامل مع التحسين والحساب تحت قيود، ويتجاهل вопросы القوة والطبقة والتاريخ.

الفصل الرابع: النتائج والعواقب - عالم خال من البدائل

يناقش سايث عواقب هذا التحول، ليس على كامبريدج فقط، بل على المهنة الاقتصادية عالميا:

  • إفقار الفكر الاقتصادي: اختفاء حاضنة رئيسية للفكر النقدي، مما قلص مساحة الحوار وأدى إلى هيمنة أحادية للفكر النيوليبرالي.

  • فشل في توقع الأزمات: يربط سايث بين طغيان النموذج السائد (الذي يفترض أسواقًا كفؤة وعقلانية) وعجزه عن رؤية بذور الأزمات المالية (مثل أزمة 2008)، لأن نماذجه استبعدت أساسًا فكرة عدم الاستقرار الجوهري الذي حذر منه كينز.

  • انفصال الاقتصاد عن الواقع: أصبح الاقتصاد السائد لعبة رياضية معقدة لكنها منفصلة عن المشاكل الاقتصادية الحقيقية مثل عدم المساواة، وأزمة المناخ، وعدم استقرار الرأسمالية المالية.

  • رسالة للعالم: تحول كامبريدج يبعث برسالة مفادها أن النجاح الأكاديمي والوظيفي لا يأتي إلا عبر تبني النموذج السائد، مما يشكل إحباطًا للطلاب والباحثين الشباب الراغبين في مسارات بديلة.

هل من أمل في نهضة؟

يختتم سايث بتقييم قاتم ولكن مع لمحات من الأمل. العملية التي يصفها كانت شبه كاملة، والتراث المغاير في كامبريدج تم إقصاؤه فعليًا من التيار الرئيسي للقسم. 

ومع ذلك، فإن الأزمات المتتالية للرأسمالية (2008، جائحة كوفيد، التضخم، عدم المساواة الصارخ) كشفت عن عيوب النموذج السائد وأعادت إحياء الاهتمام بالأفكار الكينزية وما بعد الكينزية خارج أسوار كامبريدج، في أقسام أخرى حول العالم وفي مراكز الأبحاث البديلة. 

يبقى السؤال: هل يمكن أن تنبعث من جديد روح كامبريدج النقدية في مكان آخر؟ الكتاب هو تحذير من أن الهيمنة الفكرية ليست حتمية، ولكنها نتيجة صراع يجب الخوض فيه بوعي واستراتيجية.

تقيم نقدي للكتاب 

يعتبر كتاب سايث:

  • مهمًا وجريئًا: فهو ليس مجرد تاريخ، بل هو اتهام مدعوم بالوثائق والحقائق.

  • شاملًا: يربط بين العوامل الفكرية، الاجتماعية، السياسية، والمؤسسية في قصة متماسكة.

  • محزنًا لكن ضروريًا: للاقتصاديين المغايرين ولأي شخص يهتم بمصادر الأفكار التي تحكم عالمنا.

 الكتاب هو نصب تذكاري لفكر ضائع وتحذير من مخاطر إهمال الدفاع عن التنوع الفكري في مواجهة الهيمنة الأيديولوجية المنظمة. إنه قصة عن كيف أن الفكر الاقتصادي ليس محايدًا أبدًا، بل هو دائمًا انعكاس لصراع القوى في المجتمع

إرسال تعليق

0 تعليقات